صفحة رقم 118
فقال تعالى منكرًا أن يكون أحد أضل منهم ، عاطفًا على ما هدى السياق حتمًا إلى تقديره وهو: فمن أضل ممن يدعي شيئًا من الأشياء وإن قل بلا دليل: ( ومن أضل ممن( يدعي أعظم الأشيء بغير دليل ما عقلي ولا نقلي ، فهو ) يدعوا ( ما لا قدرة له ولا علم ، وما انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل ، وأرشد إلى سفولها بقوله تعالى:( من دون الله ) أي من أدنى رتبة من رتب الذي له جميع صفات الجلال والجمال والكمال ، فهو سبحانه يعلم كل شيء ويقدر على كل شيء بحيث يجيب الدعاء ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا شاء ، ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به ، ويريد العبد في كثير من الأشيء ما لو وكل العبد فيه إلى نفسه وأجيب إلى طلبته كان فيه حتفه ، فيدبره سبحانه بما تشتد كراهيته له فيكشف الحال عن أنه لم يكن له فرج إلا فيه ) من لا يستجيب له ) أي لا يوجد الإجابة ولا يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها لأنه لا أهلية له لذلك .
ولما كان أقل الاستجابة مطلق الكلام ، وكانوا في الآخرة يكلمونهم في الجملة وإن كان بما يضرهم ، غيى هذا النفي بوقت لا ينفع فيه استجابة أصلًا ولا يغني أحد عن أحد أبدًا فقال تعالى: ( إلى يوم القيامة ) أي الذي صرفنا لهم من أدلته ما هو أوضح من الشمس ولا يزيدهم لك إلا إنكارًا وركونًا إلى ما لا دليل عليه أصلًا وهم يدعون الهداية ويعيبون أشد عيب الغواية .
ولما كان من لا يستجيب قد يكون له علم بطاعة الإنسان له ترجى معه إجابته يومًا ما ، فنى ذلك بقوله زيادة في عيبهم في دعاء ما لا رجاء في نفعه: ( وهم عن دعائهم ) أي دعاء المشركين إياهم ) غافلون ) أي لهم هذا الوصف ثابت لا يفكون عنه ، لا يعلمون من يدعوهم ولا من لا يدعوهم ، وعبر بالغفلة التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليبًا إن كان المراد أعم من الأصنام وغيرها ممن عبدوه من عقلاء الإنس والجن وغيرهم واتصافًا إن كان المراد الأصنام خاصة ، أو تهكمًا كأنه قيل: هم علماء فإنكم أجل مقامًا من أن تعبدوا ما لا يعقل ، وإنما عدم استجابتهم لكم دائمًا غفلة دائمة كما تقول لمن كتب كتابًا كله فاسد: أنت عالم لكنك كنت ناعسًا .
ونحو هذا .
ولما غيى سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه ، بين ما يحاورونهم به إذ ذاك فقال: ( وإذا حشر ) أي جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر ) الناس ) أي كل من يصح منه الّنوس - أي التحرك - يوم القيامة ) كانوا ) أي المدعوون ) لهم ) أي للداعين ) أعداء ( ويعطيهم الله قوة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدو عدوه ) وكانوا ) أي المعبودون ) بعبادتهم ) أي الداعين ، وهم المشركون - إياهم ) كافرين (