فهرس الكتاب
صفحة رقم 136
إليكم من الوعظ بأن أعمالكم أعمال من قد أعرض عن سيده وعرض نفسه للهلاك والعذاب بإشراكه بالمحسن المطلق من لا يكافئه بوجه فهو يحث يخشى عليه الأخذ ، عطف عليه قوله: ( وأبلغكم ) أي أيضًا في الحال والاستقبال ) ما أرسلت ) أي ممن لا مرسل في الحقيقة غيره ، فإنه يقدر على نصر رسوله ) به ) أي من التوحيد وغيره ، سواء كان وعدًا أو وعيدًا أو غيرهما لو لم يذكر الغاية لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم .
ولما كان معنى الإخبار بالإبلاغ أنه ليس عليّ إلا ذلك ، وكان معنى قصر العلم المطلق على الله تصديقهم في نفي علمه عليه الصلاة والسلام بذلك ، حسن قوله مستدركًا علمه بجهلهم: ( ولكني أراكم ) أي أعلمكم علمًا هو كالرؤية ) قومًا ( غلاظًا شدادًا عاسين ) تجهلون ) أي بكم مع ذلك صفة الجهل ، وهو الغلظة في غير موضعها مع قلة العلم ، تجددون لك على سبيل الاستمرار بسبب أنكم تفعلون بإشراككم بالمحسن المطلق وهو الملك الأعظم من لا إحسان له بوجه أفعال من يستحق العذاب ثم لا تجوزون وقوعه وتكذبون من ينبهكم على أن ذلك أمر يحق أن يحترز منه ، وتنسبونه إلى غير ما أرسل له من الإنذار من ادعاء القدرة على العذاب ونحوه .
ولما تسبب عن قولهم هذا إتيان العذاب فأتاهم في سحاب أسود ، استمروا على جهلهم وعادتهم في الأمرن وعدم تجويز الانتقام ، وكأن إتيانه كان قريبًا من استعجالهم به ، فلذلك أتى بالفاء في قوله مسببًا عن تكذيبهم مبينًا لعظيم جهلهم بجهلهم في المحسوسات ، مفصلًا لما كان من حالهم عند رؤية البأس: ( فملا رأوه ) أي العذاب الذي يعدهم به ) عارضًا ) أي سحابًا أسود بارزًا في الأفق ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر ، حال كونه قاصدًا لعارضًا فهو نكرة إضافته لفظية وإن كان مضافًا إلى معرفة ، وكذا ( ممطرنا ) ) قالوا ( علىعادة جهلهم مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل ، لأن جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم:( هذا عارض ) أي سحاب معترض في عرض السماء أي ناحيتها ) ممطرنا ( لكونهم رأوه أسود مرتادًا فظنوه ممتلئًا ماء يغاثون به بعد طول القحط وإرسال رسلهم إلى مكة المشرفة ليدعوا لهم هنالك الله الذي استخفوا به بالقدح في ملكه بأن أشركوا به من هو دونهم ، علمًا منهم بأن شركاءهم لا تغني عنهم في الإمطار شيئًا ، غافلين عن ذنوبهم الموجبة لعذابهم ، فلذلك قال الله تعالى مضربًا عن كلامهم ، والظاهر أنه حكاية لقول هود عليه الصلاة والسلام في جواب كلامهم:( بل هو ) أي هذا العارض الذي ترونه ) ما استعجلتم به ) أي طلتم العجلة في إتيانه إليكم من العذاب .