صفحة رقم 150
معلمًا بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان به ( صلى الله عليه وسلم ) لم يعتد به ، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثًا عليه وتأكيدًا له فقال تعالى: ( وهو ) أي هذا الذي نزل عليه ( صلى الله عليه وسلم ) مختص بأنه ) الحق ) أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائنًا ) من ربهم ( المحسن إليهم بإرساله ، أما إحسانه إلى أمته فواضح ، وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة ، وأمته هي الشاهدة لهم .
ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق ، بين ما أثمر لهم ذلك دالًا على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره ، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى: ( كفر ) أي غطى تغطية عظيمة ) عنهم ( في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان ) سيئاتهم ) أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم .
ولما كان من يمل سوءًا يخاف عاقبته فيتفرق فكره ، إذ لا عشية لخائف قال تعالى: ( وأصلح بالهم ( اي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الداري ، قال ابن برجان: وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه ، وإذا فسد فبالضد من ذلك .
ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء ، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر ضلال الكفار أولًا دليلًا على إرادة الهدى للمؤمنين ثانيًا ، وإصلاح البال ثانيًا دليلًا على حذف إفساده أولًا .
ولما كان الجزاء من جنس العمل ، علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله: ( ذلك ) أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين ) بأن ) أي بسبب أن ) الذين كفروا ) أي ستروا مرائي عقولهم ) اتبعوا ) أي بغاية جهدهم ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى ) الباطل ( من العمل الي لا حقيقة له في الخارج يطابقه ، وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثارًا للحظوظ فضلوا ) وأن الذين آمنوا ) أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان ) اتبعوا ) أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها ) الحق ) أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه ) من ربهم ( الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا .
ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل ، وباطن حال الذين آمنوا الحق ، وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة ، فيكون ألطف من الشيء المحسوس ، وأن ذلك هو وجه الشبه ، علم أن مثل كل منالفريقين ماعلم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل الثاني الحق ،