فهرس الكتاب

الصفحة 3992 من 4996

صفحة رقم 235

ولما نهى عن اتباع الظن ، أتبعه ما يتفرع عنه فقال: ( ولا تجسسوا ) أي تمعنوا في البحث عن العورات ولا يكون ذلك إلا في المستورين .

ولما كانت الغيبة أعم من التجسس ، قال: ( ولا يغتب ) أي يتعمد أن يذكر ) بعضكم بعضًا ( في غيبته بما يكره ، قال القشيري: وليس تحصل الغيبة من الخلق إلا بالغيبة عن الحق ، وقال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الغيبة إدام كلاب الناس .

ولما كان تمزيق عرض الناس كتمزيق أديمهم ولا يكون ذلك ساتر عظمة الذي به قوامه كما أن عرضه ساتر عليه ، وكونه لا يرد عن نفسه بسبب غيبته كموته وأعمال الفم والجوف في ذلك كله ، وكان هذا لوتأمله العاقل كان منه على غاية النفرة ، ولكنه لخفائه لا يخطر بباله ، جلاه له في قوله تقريرًا وتعبيرًا بالحب عما هو في غاية الكراهة لما للمغتاب من الشهوة في الغيبة ليكون التصوير بذلك رادًّا له عنها ومكرهًا فيها: ( أيحب ( وعم بقوله: ( أحدكم ( وعبر بأن الفعل تصويرًا للفعل فقال: ( أن يأكل ( وزاد في التنفير بجعله في إنسان هو أخ فقال: ( لحم أخيه ( وأنهى الأمر بقوله: ( ميتًا ( .

ولما كان الجوا قطعًا: لا يحب أحد ذلك ، أشار إليه بما سبب من قوله: ( فكرهتموه ) أي بسب ما ذكر طبعًا فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة عقلًا ، لأن داعي العقل بصير عالم ، وداعي الطبع أعمى جاهل ، وقد رتب سبحانه هذه الحكم أبدع ترتيب ، فأمر سبحانه بالتثبت .

وكان ربما أحدث ضغينة ، نهى عن العمل بموجبه من السخرية واللمز والنبز والتمادي مع ما ينشره ذلك من الظنون ، فإن أبت النفس إلا تماديًا مع الظن فلا يصل إلى التجسس والبحث عن المعايب ، فإن حصل الاطلاع عليها كف عن ذكرها ، وسعى في سترها ، وفعل ذلك كله لخوف الله ، لا شيء غيره ، فإن وقع في شيء من ذلك بادر المتاب رجاء الثواب .

ولما كان التقدير: فاتركوه بسبب كراهتهم لما صورته ، عطف عليه ما دل على العلة العظمى وهي خوف الله تعالى فقال: ( واتقوا الله ) أي اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية بترك ذلك وإصلاح ذات البين .

ولما كان التقدير: فإن الله يتوب عليكم إن تركتموه ، علله بما دل على أن ذلك صفة له متكررة التعلق فقال: ( إن الله ) أي الملك الأعظم ) تواب ) أي مكرر للتوبة ، وهي الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب ، فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت ) رحيم ( يزيده على ذلك أن يكرمه غاية الإكرام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت