صفحة رقم 253
ولما لم تكن لهم شهرة يعرفون بها قال: ( قوم نوح ( وأشار إلى عظيم التسلية بأنهم جاءهم منذر منهم ، وكانوا في القوة في القيام فيما يحاولونه والكثرة بحيث لا يسع الأفهام جميع أوصافهم ، فآذوا رسولهم وطال أذاهم قريبًا من عشرة قرون ولما اكن آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان: ماء السماءن وطلع إليهم ماء الأرض فأغرهم ، أتبعهم من طائفتهم قصتهم بأن نزل بهم الماء فأوبقهم لما بين حاليهم من الطباق دلالة على عظيم القدرة والفعل بالاختيار فقال:( وأصحاب الرس ) أي البئر التي تقوضت بهم فخسفت مع ما حولها فذهبت بهم وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان .
ولما كانت آية قوم صالح من أعظم الدلالات على القدرة على البعث ، وكان إهلاكهم مناسبًا لإهلاك من قبلهم ، أما لأصحاب الرس فكان بارجفة التي هي على مبدأ الخسف ، وأما لقوم نوح فلأن الرجفة تأثرت عن الصيحة التي حملتها الريح التي من شأنها حمل السحاب الحامل للماء ، أتبعهم بهم ، وكانوا أصحاب بئر ولم يخسف بهم فقال: ( وثمود ( ولما اتفق قوم هود عليه السلام والقبط بالإهلاك بالريح التي أثرت بها صيحة ثمود ، أولئك مع الحجارة والرمل وهؤلاء بالماء الذي فرقه الله بالريح عند ضرب العصي ، وكان لكل منهما من ضخامة الملك وعز السلطان ما هو مشهور قدم أشدهما أبدانًا وأوسعهما ملكًا لأن إهلاكهم كان أدل دليل على القدرة وأقرب شبهًا بهلاك ثمود فقال: ( وعاد ( وعطف عليه أقرب الطائفتين شبهًا بالهلاك بقوم نوح وأصحاب الرس فقال: ( وفرعون ( نص عليه لأنه ليس في مادة هذا الغرق كافره غيره ، والنص عليه يفهم غيره ، وما تقدم في غير هذه السورة غير مرة من وصفه بأنه ملك قاهر وأنه استخفهم فأطاعوه فيعلم كفرهم طاعة له ، وأنه ليوافق ما قبله وما بعده .
ولما كان السياق للعزة والشقاق ، فلم يدع داع إلى إثبات ذي الأوتاد .
ولما كان هلاك المؤتفكات جامعًا في الشبهة بهلاك جميع من تقدم بالخسف وغمرة الماء بعد القلب في الهواء ، أتبعهم بهم معبرًا عنهم بأخصر من تسميه قبائلهم أو مدنهم لأنها عدة مدن ، وعبر بالأخوة دون القوم أصهاره الذين جبرا بينهم وبينه مع المصاهرة بالمناصرة لملوكهم ورعاياهم على من ناواهم بنفسه وعمه إبراهيم عليهما السلام كما مضى بيانه في البقرة ما صار كالأخوة ، ومع ذلك عاملوه بما اشتق من لفظ هذا الجمع من الجناية له والأنفسهم وغيرهم .
ولما كان الشجر مظنة الهواء البارد والروح ، وكان أصحابه قد عذبوا بضد ذلك قال: ( وأصحاب الأيكة ( لمشاركتهم لهم في العذاب بالنار ، وأولئك بحجارة الكبريت النازلة من العلو وهؤلاء بالنار بالنازلة من ظلمة السحاب ، وعبر عنهم بالواحدة والمراد