صفحة رقم 255
يخل باعتقادهم إياه فقال: ( بل هم في لبس ) أي خلط شديد وشبهة موجبة للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى بل السكوت عنه أجمل ، قال علي رضي الله عنه: يا جار ، إنه لملبوس عليك ، اعرف بالحق تعرف أهله .
ولبس الشيطان عليهم تسويله لهم أن البعث خارج عن العادة فتركوا لذلك القياس الصحيح والحكم بطريقة الأولى ) من ( أجل ) خلق جديد ) أي الإعادة .
ولما ذكر خلق الخافقين ، أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو فيها فقال: ( ولقد ) أي والحال أنا قد ) خلقنا ( بما لنا من العظمة ) الانسان ( وهو أعجب خلقًا وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان ، والذكر والنسيان ، والجهل والعرفان ، والطاعة والعصيان ، وغير ذلك من عجيب الشأن ، ووكلنا به من جنودنا من يحفظه فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله ) ونعلم ) أي والحال أننا نعلم بما لنا من الإحاطة ) ما توسوس ) أي تكلم على وجه الخفاء ، ) به ( الآن وفيما بعد ذلك مما لم ينقدح بعد من خزائن الغيب إلى سر النفس كما علمنا ما تكلم ) نفسه ( وهي الخواطر التي تعترض له حتى أنه هو ربما عجز عن ضبطها ، فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة القرآن وإعجازه وصدق الرسول به( صلى الله عليه وسلم ) وامتيازه ، وإنما حملهم الحسد والنفاسة والكبر والرئاسة على الإنكار باللسان حتى صار ذلك لهم خلقًا وتمادوا يه حتى غطى على عقولهم ، فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب .
ولما كان العالم بالشيء كلما كان قريبًا منه كان علمه به أثبت وأمكن ، قال ممثلًا لعلمه ومصورًا له بما نعلم أنه موجبه: ( ونحن( بما لنا من العظمة ) أقرب إليه ( قرب علم وشهود من غير مسافة ) من حبل الوريد ( لأن أبعاضه وأجزاءه تحجب بعضها بعضًا ، ولا يحجب علم الله شيء ، والمراد به الجنس ، والوريدان عرقان كالحبلين مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلات من الرأس إلى الوتين وهو عرق القلب ، وهذا مثل في فرط القرب ، وإضافته مثل مسجد الجامع ، وقد مضى في تفسري سورة المائدة عند قوله ) ) والله يعصمك من الناس ( ) [ المائدة: 67 ] ما ينفع هنا ، قال القشيري: وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم ، وروح وأنس وسكون قلب لقوم .
ق: ( 17 - 19 ) إذ يتلقى المتلقيان. .. . .
)إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ (( )
ولما كان سبحانه قد وكل بنا حفظة تحفظ أعمالنا وتضبط أقوالنا وأحوالنا ، فكان المعروف لنا أن سبب الاستحفاظ خوف الغفلة والنسيان ، قدم سبحانه الإخبار بكمال علمه فأمن ذلك المحذور ، علق بأقرب أو نعلم قوله تأكيدًا لما علم من إحاطة علمه من