فهرس الكتاب

الصفحة 4021 من 4996

صفحة رقم 264

)فنقبوا ) أي أوقعوا النقب ) في البلاد ( بأن فتحو فيها الأبواب الحسية والمعنوية وخرقوا في أرجائها ما لم يقدر غيرهم عليه وبالغوا في السير في النقاب ، وهي طرق الجبال والطرق الضيقة فضلًا عن الواسعة وما في السهول ، بعقولهم الواسعة وآرائهم النافذة وطبائعهم القوية ، وبحثوا مع ذلك عن الأخبار ، وأخبروا غيرهم بما لم يصل إليهم ، وكان كل منهم نقبًا في ذلك أي علامت فيه فصارت له به مناقب أو مفاخر .

ولما كان التقدير: ولم يسلموا مع كثربة تنقيبهم وشدته من إهلاكنا بغوائل الزمان ونوازل الحدثان ، توجه سؤال كل سامع على ما في ذلك من العجائب والشدة والهول والمخاوف سؤال تنبيه للذاهل الغافل ، وتقريع وتبيكت للمعاند الجاهل ، بقوله: ( هل من محيص ) أي معدل ومحيد ومهرب وإن دق ، من قضائنا ليكون لهؤلاء وجه ما في رد أمرنا .

ولما ذكرنا هنا من المواعظ ما أرقص الجماد ، فكيف بمن يدعي أنه من رؤوس النقاد ، أنتج قوله مؤكدًا لأجل إنكار الجاحد وعناد المعاند: ( إن في ذلك ) أي الأمر البديع من العظات التي صرفناها هنا على ما ترون من الأساليب العجيبة والطرق الغريبة في الإهلاك وغيره ) لذكرى ) أي تذكيرًا عظيمًا جدًا .

ولما كان المتذكر بمصارع المهلكين تارة بأن يكون حاضرًا فيرى مصارعهم حال الإيقاع بهم أو يرى آثارهم بعد ذلك ، وتارة يخبر عنها ، قال بدائًا بالرائي لأنه أجدر بالتذكير: ( لمن كان ) أي كونًا عظيمًا ) له قلب ( هو في غاية العظمة والنورانية إن رأى شيئًا من ذلك فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتز به ، ومن لم يكن كذلك فلا قلب له لأن قلبه لما كان غير نافع كان عدمًا .

ولما كان قد بدأ بالناظر لأنه أولى بالاعتبار وأقرب إلى الادكار ، ثنى بمن نقلت إليه الأخبار فقال: ( أو ألقى ) أي إلقاء عظيمًا بغاية إصغائه حتى كأنه يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل ) السمع ) أي الكامل الذي قد جرده عن الشواغل من الحظوظ وغيرها إذا سمع ما غاب عنه ) وهو ) أي والحال أنه في حال إلقائه ) شهيد ) أي حاضر بكليته ، فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر ، فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه ، فيتذكر بما ذكرناه به عن قدرتنا من الجزئيات ما أنتجه من القدرة على كل شيء ، ورأى مجد القرآن فعلم أنه كلام الله فسمعه منه فصدق الرسول ، وقبل كل ما يخبر به ، ومن سمع شيئًا ولم يحضر له ذهنه فهو غائب ، فالأول العالم بالقوة وهو المجبول على الاستعداد الكامل فهو بحيث لا يحتاج إلى غير التدبر لما عنده من الكمال المهيأ بفهم ما يذكر به القرآن ، والثاني القاصر بما عنده من كثافة الطبع فهو بحيث يحتاج إلى التعليم فيتذكر بشرط أن يقبل بكليته ، ويزيل الموانع كلها ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت