صفحة رقم 276
)وفي أموالهم ) أي كل أصنافها ) حق ) أي نصيب ثابت .
ولما كان السياق هنا للإحسان ، فكان إحسانهم لفظ محبتهم إلى عباد الله لا يوقفهم عن الواجب بخلاف ما في ( سأل ) من سياق المصلين مطلقًا ترك وصفه بالمعلومية فقال: ( للسائل ) أي الذي ينبه على حاجته بسؤال الناس وهو المتكفف ) والمحروم ( وهو المتعفف الذي لا يجد ما يغنيه ، ولا يسأل الناس ولا فطن له ليتصدق عليه ، وهذه صفة أهل الصفة رضي الله عنهم ، فالمحسنون يعرفون صاحب هذا الوصف لما لهم من نافذ البصيرة ولله بهم من العناية .
ولما دل إقسامه بالسماء وما قبلها من الذاريات على ما له في العلويات من الآيات إلى أن ختم بالأموال التي تنبتها الأرض ، فكان التقدير: ففي السماوات آيات للمؤمنين دالات على عظمته واستحقاقه للعبادة بغاية الخضوع رغبًا ورهبًا ، عطف عليه قوله: ( وفي الأرض( مما فيه أيضًا من الاختلاف بالمعادن الكثيرة المتباينة مع اتحاد أصلها والنبات والحيوان والجماد والبر والبحر وغير ذلك من الأسرار الدالة على الفاعل المختار ) آيات ) أي دلالات عظيمات هي مع وضوحها بعد التأمل خفيات ) للموقنين ( الذين صار الإيقان لهم غريزة ثابتة ، فهم لذلك يتفطنون لرؤية ما فيها مع ما يلابسهم منها من الأسباب فيشغلهم ولا يرون أكثر أسباب ما فيها من الآيات فأداهم ذلك إلى الإيقان بما نبهت عليه الرسل مما تستقل به العقول من البعث وغيره ، قال القشيري: من الآيات فيها أنها تحمل كل شيء ، فكذلك العارف يحمل كل أحد ومن استثقل أحدًا أو تبرم برؤيته أحدًا لغيبته عن الحقيقة ومطالعة الخلق بعين التفرقة .
وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة ، ومن الآيات فيها أنه يلقى عليها كل قذاراة وقمامة فتنبت كل زهر ونور وكذلك العارف يتشرب ما يلقى من الجفاء ولا يترشح إلا بكل خلق عليّ وشيمة زكية .
ولما أشار إلى آيات الآفاق ، أتبعها آيات الأنفس فقال: ( وفي أنفسكم ) أي من الآيات التي شاركتم بها الجماد ، ثم فارقتموه بالنمو ثم بالحس ثم فارقتم الحيوان الخسيس بالعقل الموصل إلى بدائع العلوم ودقائق الفهوم .
ولما كانت أظهر الآيات ، سبب عن التبيه عليها الإنكار عليهم في ترك الاعتبار بها فقال: ( أفلا تبصرون ) أي بأبصاركم وبصائركم فتتأملوا ما في ذلك من الآيات وتتفكروا هل ترون أسباب أكثرها ، فإن كل هذه آيات دالة على قدرة الصانع على كل ما يريد واختياره ، وأنه ما خلق هذا لخلق سدى ، فلا بد أن يجمعهم إليه للعرض عليه ، فالموقنون لا يزالون ينظرون في أمثال هذا بعيون باصرة وأفهام نافذة ، فكلما رأوا آية اعتبروا بها ، فازدادوا إيمانًا إلى إيمانهم ، وإيقانًا مع إيقانهم ، وأول نظرهم فما أودعوا من الآيات الحاجة ، فمن تأملها