فهرس الكتاب

الصفحة 4076 من 4996

صفحة رقم 319

النوم والصعق من آيات الله على لقاء الله وهي مقدمات لذلك ، ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة ، والإسراء وإن لم يكن موتًا ولا صعقًا ولا نومًا على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا إلى مشاهدات الأفق الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك ، فالإسراء حالة غير حالة الدنيا ، بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب - والله الهادي .

ولما تقرر ذلك غاية التقرر ، وكان موضع الإنكار عليهم ، قال مسببًا عن ذلك: ( أفتمارونه ) أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به شكًا فيه ولا شك فيه ، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ويعقوب إشارة غلى اجتهادهم في تشكيكه ، من مري الشيء: استخرجه ، ومري الناقة: مسح شرعها ، فأمرى: در لبنها ، والمرية بالكسر والضمر: الشك والجدل ) على ما يرى ( على صفة مطابقة القلب والبصر ، وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك فيه وال قبوله للجدال ، وزاد الأمر وضوحًا بتصوير الحال الماضية بالتعبير بالمضارع إشارة إلى أنه كما لم يهم لم يلبس الأمر عليه ، بل كأنه الآن ينظر .

ولما كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر ، فإذا وافقه كون القلب في غاية الحضور كان أمكن ، فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة منه ، قال مؤكدًا لأجل إنكارهم: ( ولقد رآه ) أي الله تعالى أو جبرئيل عليه السلام على صورته الحقيقية ، روى مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال ) ما كذب الفؤاد ما رأى ( ) ولقد رآه نزلة أخرى ( ، قال:( رآه بفؤاده مرتين ) وجعل ابن مرجان الإسراء مرتين: الأولى بالفؤاد مقدمة وهذه بالعين .

ولما كان ذلك لا يتأتي إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي الحجب ليصير به بحيث يراه البشر ، عبر بقوله: ( نزلة ( وانتصب على الظرفية لأن الفعلة بمعنى المرة الأعلى ، وعين الوقت بتعين المكان فقال:( عند سدرة المنتهى ) أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي إليها علم الخلائق وينتهي إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق ، فيتلقى هنالك ، وذلك - والله أعلم - ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة قبل الهجرة بقليل بعد الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينهما من المسافات ، فانتهى إلى منتهى يسمع فيه صريف الأقلام ، وعظمها بقوله: ( عندها ) أي السدرة ) جنة المأوى ( الذي لا مأوى في الحقيقة غيره لأنه لا يوازي في عظمه ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت