صفحة رقم 470
ولما قرر سبحانه أن الرسل دعاة للحق إلى سيدهم طوعًا أو كرهًا بالكتاب والحديد ، وقرر أن السعادة كلها في اتباعهم ، وأن البدع لا تأتي بخير وإن زيد الشيطان أمرها وخيل أنه خير ، وأن أصحاب الذي كان نسخ شريعة من قبله ابتدعوا بدعة حسنة فوكل إليها ففسق أكثرهم ، فاقتضى ذلك إرسال من يسنخ كل شريعة تقدمته نسخًا لا زوال له لأنه لا نبي بعده ونهى عن البدع نهيًا لم يتقدمه أحد إلى مثله ، أنتج ذلك قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا ) أي أقروا بذلك إقرارًا صحيحًا بنبي مما تقدم أو بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) اتقوا الله ) أي خافوا عقابه فاجعلوا بينكم وبين سخطه - لأنه الملك الأعظم - وقاية بحفظ الأدب معه ولا تأمنوا مكره ، فكونوا على حذر من أن يسلبكم ما هوبهكم ، فاتبعوا الرسول تسلموا ، وحافظوا على اتباعه لئلا تهلكوا ) وآمنوا برسوله ) أي الذي لا رسول له الآن غيره ، إيمانًا مضمومًا إلى إيمانكم بالله فإنه لا يصح الإيمان به إلا مع الإيمان برسوله ، وبأن تثبتوا على الإيمان به ، وتضموا الإيمان به إلى الإيمان بمن تقدمه يا أهل الكتاب ، لأن رسالته عامة ، لقد نسخ جميع ما تقدمه من الأديان فإياكم أن يميلكم عنه ميل من حسد أو غيره ، فبادروا إلى إجابته والزموا جميعًا حذره فلا تميلوا إلى بدعة أصلًا ) يؤتكم ( ثوابًا على اتباعه ) كفلين ) أي نصيبين ضخمين ) من رحمته ( تحصينًا لكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع ، وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره على العجز ، وهذا التحصين لأجل إيمانكم به( صلى الله عليه وسلم ) وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الأصار وهو أعلى بالأجر من الذي عمل الخير في الجاهلية ، وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لمن سأله عنه ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ودل على أن الكفلين برفع الدرجات وإفاضة خواص من الخيرات بقوله: ( ويجعل لكم ) أي مع ذلك ) نورًا ( مجازيًا في الأولى بالتوفيق للعمل من المعلوم والمعارف القلبية وحسيًا في الآخرة بسبب العمل ) تمشون به ) أي مجازًا في الأولى بالتوفيق للعمل ، وحقيقة في الآخرة بسبب العمل .
ولما كان الإنسان لا يخلو من نقصان ، فلا يبلغ جميع ما يحق للرحمن ، قال: ( ويغفر لكم ) أي ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد .
ولما قرر سبحانه وذلك ، أتبعه التعريف بأن الغفران وما يتبعه صفة له شاملة لمن يريده فقال: ( والله ) أي المحيط بجميع صفات الكمال والعظمة والكبرياء ) غفور ) أي بليغ المحو للذنب عينًا وأثرًا ) رحيم ) أي بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه .