فهرس الكتاب

الصفحة 4367 من 4996

صفحة رقم 610

دائم الخذلان منكوسًا في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان لسر قوله تعالى: ( قاتلهم الله ) أي أحلهم الملك المحيط علمًا وقدرة محل من يقاتله عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين .

ولما كان حالهم في غاية العجب في صرفهم عن الإسلام أولًا بالعمى عن الآيات الظاهرات ، وثانيًا عن الإخبار بأسرارهم ، وخفي مكرهم وأخبارهم ، وفي عدم صرفهم عما هم عليه من قبح السرائر وسوء الضمائر بتعكيس مقاصدهم ، وتخييب مصادرهم في مكارهم ومواردهم ، دل على ذلك بقوله: ( أنّى ) أي كفي ومن أيّ وجه ) يؤفكون ) أي يصرفهم عن إدراك قبح ما هم عليه صارف ما كائنًا ما كان ليرجعوا عنه إلى حسن الدين والأنس به وإدراك بركته وعظيم أثره .

ولما كان هذا أمرًا عظيمًا قطعًا عن الله ورسوله فيحتاد فاعله حاجة شديدة إلى التطهير وهو جدير بعظمه أن لا يطهره غاية الطهر إلا سؤال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكانوا لم يفعلوا ذلك ، دل على سوء بواطنهم وغلظ أكبادهم وأنهم كالخشب المسندة في أنهم لا ثمرة لهم ولا زكاء أصلًا بقوله: ( وإذا قيل لهم ) أي من أيّ قائل كان: ( تعالوا ) أي ارفعوا أنفسكم مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عاليًا لعلو مكانته ) يستغفر لكم ) أي يطلب الغفران لأجلكم خاصة بعد أن تتولوا من ذنبكم من أجل هذا الكذب الذي أنتم مصرون عليه .

ولما تقدم عاملان ، أعمل الثاني منهما كما هو المختار من مذهب البصريين فرفع قوله: ( رسول الله ) أي أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه لجوده ) لووا رؤوسهم ) أي فعلوا اللي بغاية الشدة والكثرة ، وهو الصرف إلى جهة أخرى إعراضًا وعتوًا وإظهارًا للبغض والنفرة ، وبالغوا فيه مبالغة تدل على أنهم مغلوبون عليه لشدة ما في بواطنهم من المرض ) ورأيتهم ) أي بعين البصيرة ) يصدون ) أي يعرضون إعراضًا قبيحًا عما دعوا إليه مجددين لذلك كلما دعوا إليه ، والجملة في موضع المفعول الثاني لرأيت ) وهم مستكبرون ) أي ثابتوا الكبر عما دعوا إليه وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار ، فهم لشدة غلظتهم لا يدركون قبح ما هم عليه ولا يهتدون إلى دوائه ، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم لا ينبهون ، فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم شائرهم من المؤمنين وقالوا: ويحكم افتضحتم واهلكتم أنفسكم ، فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وتولوا إليه واسألوه أن يستغفر لكم ، فأبوا ذلك فأنزل الله هذه الآية ، وروي أن ابن أبي رأسهم لوى رأسه وقال لهم: أشرتم علي بالإيمان فآمنت وأشرتم عليّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد .

ولما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم ، وربما ندبه إلى ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت