فهرس الكتاب
صفحة رقم 66
ولما أثبت له سبحانه صفتي العز والغفر على أبلغ ما يكون ، دل على ذلك بقوله دالًا على كمال تفرده بعد آيات الأنفس بآيات الآفاق إرشادًا إلى معالي الأخلاق: ( الذي خلق ) أي أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق ) سبع سماوات ( حال كونها يكون كل جزء منها مطابقًا كل واحدة منها كأنها لشدة مطابقتها للأأخرى طالبة مطابقتها بحيث يكون كل جزء منها مطابقًا لجزء من الأخرى ، ولا يكون جزء منها خارجًا عن ذلك وهي لا تكرون كذلك إلا بأن تكون الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطًا بالكل ، والكرسي الذي هو أقربها إليه بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة ، فما ظنك بما تحته ، وكل سماه في التي فوقها بهذه النسبة ، وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك ، وليس في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه بالحلقة الملقاة في فلاة كما مضى بسط ذلك في ذلك سورة السجدة ، وأحاط سبحانه بالأرض منافعها من جميع الجوانب ، وجعل المركز أن تكون رجلاه إلى الأرض ورأسه إلى السماء لتكون السماء في رأيه دائمًا أعلى ، والأرض أسفل في أي جانب كان هو عليها ، فسبحان اللطيف الخبير ، ولا شك أن مت تفكر في هذه العظمة مع ما لطف بنا فيما هيأه فيها لنا من المنافع ، آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ضد ، فانقطع باللجاء إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع ، وسارع في مراضيه ومحابه في كل خفض ورفع .
ولما كان ذلك في حد ذاته خارجًا عن طوق المخلوق ، وكان سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، ولما بين كل سماءين كذلك مع عدم الفروج ولاعمد والأطناب ، فكان ذلك النهاية في الخروج عن العادة في حد ذاته ولأنه قيل: إن القبة إذا بنيت بلا فروج ولا شيء يدخل الهواء منه تفسد وتسقط ، دل على عزته بعظيم صنعه في ذلك بقوله واصفًا لها: ( ما ترى في ( وكان الأصل: خلقها ، ولكنه دل على عزته وعموم عظمته بقوله:( خلق الرحمن ) أي لها ولغيرها ولولا رحمته وعموم عظمته التي اقتضت إكرامه لخلقه بعد غفرانه لما لهم من النقائص ما أحسن إليهم بها في اتساعها وزينتها وما فيها من المنافع ، وأعرق في النفي بقوله: ( من تفاوت ( بين صغير ذلك الخلق وكبيره بالنسبة إلى الخالق في إيجاده له على حد سواء ، إنما قوله إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ، فلا فرق في ذلك بين الذرة مثلًا والغرس ولا بالنسبة إلا الخالق من عجز صغيرهم وكبيرهم عن إيجاد شيء من العدم صغيرًا كان أو كبيرًا جليلًا كان أو حقيرًا ، ولا ترى تفاوتًا في الخلق بأن يكون شيء منه فائتًا للآخر بالمخالفة والأضطراب والتناقض في الخلقة غير مناسب له بأن يكون خارجًا عنه أو منافرًا له في مقتضى