فهرس الكتاب
صفحة رقم 94
للعالمين ، لأن القوة المعربة عن العلم ربما كان ضررها أكثر من نفعها ، كما قال بعض السلف: كل عز لم يوطده علم فإلى ذل يؤول ، وكما كان جميع السورة التسع والعشرين المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع في التسعة وللعاشر الجامع للمراتب التسع بإيتار آحادها والعاشر الجامع يضرب العشر الموتر في نفسه قوامًا وإحاطة في جميع القرى ، كذلك كان سورة ( ق ) وسورة ( ن ) قوامًا خاصًا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذي يجمعهم الأرض بما أحاط من ظاهرها من صورة جبل ( ق ) وما أحاط بباطنها من صورة حيوان ( ن ) الذين تمام أمرهم بما بين مددي إقامتها ، وبهذه السورة المفتتحة بالحروف ظهر اختصاص القرآن وتميز عن سائر الكتب لتضمنه الإحاطة التي لا تكون إلا للخاتم الجامع ، واقترن من التفصيل في سورها ما يليق بإحاطتها ، ولإحاطة معانيها وإبهامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها صحيحًا في إحاطتها بمتنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع العوالم فلا يخطئ فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجهًا من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما يقتضيه ، ومهما فسرت به من أسماء الله أو من أسماء الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء أو صور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم بها أو فواتح عرفت بها السور أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه المنزل عليه ( صلى الله عليه وسلم ) من مقدار بأمد يومه إلى غير ذلك وكل داخل في إحاطتها ، ولذلك أيضًا لا يختص بمحل مخصوص يلزمه علامة إعراب مخصوصة ، فمهما قدر في مواقعها من هذه السورة جرًا أو رفعًا أو نصبًا فداخل في غحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص لما لم يكن لها انتظام ، لأنها مستقلات محيطات ، وإنما ينتظم ما يتم معنى كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام ، وذلك يختص من الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع فيها انتظام .
ولما كان قوام هذا الوجود بالسيف والقلم ، وكان ( نون ) مشتركًا بين معان منها السيف والدواة التي هي آلة القلم ، واللوح الذي هو محل ما يثبت من العلم ، وكان السيف قد تقدم في حيز القاف الذي افتتحت به سورة ( ق ) كما هو أنسب لتضمنه القوة والقدرة والقهر في سورة الحديد بعد الوعظ والتهديد والتذكير بالنعم في السورة الواقعة بينهما ، ذكر هنا ما هو لحيز النون من آية العلم فقال مقسمًا بعد حرف ( ن ) : ( والقلم ) أي قلم القدرة الذي هو أول ما أبدعه الله ، ثم قال له: اكتب ، فخط جميع الكائنات إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ حقيقة ، وفي ألواح صفحات الكائنات حالًا ومجازًا ،