فهرس الكتاب
صفحة رقم 100
ولما كان من طبع البشر أن الحليم منهم الرزين إذا اشتد عليه الأذى ممن لم تجر العادة بأن مثله يطيق مثلهم قاربهم ولا يتهم فيما الخلاف بسببه بعض المقاربة ، وكان سبب تلك المقاربة إنما هو عدم علمه بالعواقب ، سبب سبحانه ما مضى من إعلامه بحقائق الأمور وكشفه لمستورها قوله إلهابًا وتهييجًا على الثبات على معاصاتهم إعلامًا للضال بأماراته ليعلم المهتدي لأن الأمور تعلم بأضدادها .
وهو خطاب له ( صلى الله عليه وسلم ) والمراد أمته ليكون ذلك أبلغ في سماعهم: ( فلا تطع ) أي أيها المأمور بإنقاذهم من غوائل أهوائهم وأشراك أهلاكهم ) المكذبين ) أي العريقين في التكذيب ، قال الملوي: ولا يخفى أن كل كفر ظهر وكل ضلالة ظهرت ، وكل بدعة وكل شر إنما كان سببه إفساد القوة العلمية والنطقية ، وهو يكون بالتكذيب ، ثم علل ذلك بما يكون مجموعه على وقوعه منهم من مدة طويلة وهم مستمرون عليه بقوله: ( ودوا ) أي أحبوا محبة عظيمة واسعة متجاوزة للحد قديمًا مع الاستمرار على ذلك وأكد تهالكهم على هذه الودادة بما يفهم التمني وإن ذلك مستمر منهم لا أنه وقع ومضى ، فقال مشيرًا إلى إفسادهم القوة النطقية وخلق الشجاعة الغريزية: ( لو تدهن ) أي تلاين فتوافق على بعض ما يريدون فتهادنهم على ترك نهيهم عن الشرك وترك التعرض لسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم ؛ قال ابن برجان: والأدهان ملاينة وانجرار بالباطل وإغماض عن الحق مع المعرفة بذلك - انتهى .
وهو من الدهن لأنه يلين ما يدهن به .
ولما كان طبعهم أنهم كانوا يلينون له ( صلى الله عليه وسلم ) بعض الأوقات خداعًا كما قيل في سبب نزول ( الكافرون ) من أنهم قالوا له ( صلى الله عليه وسلم ) : تعالى فلنصطلح على أن تعبد إلهك سنه وتعبد آلهتنا سنة ، ونحو هذا من الأباطيل حتى أنهم سجدوا وراءه ( صلى الله عليه وسلم ) لما تلا عليهم سورة النجم فسجد فيها فسجد وراءه الكفار والمؤمنون والجن والإنس حتى سمع المهاجرون إلى الحبشة وهم بالحبشة فرجع بعضهم ظنًا منهم أنهم قد أسلموا فوجدوهم على أخبث ما كانوا عليه أولًا ، قال سبحانه معرفًا بأن ذلك منهم خداع: ( فيدهنون ) أي فبسبب ودادتهم أنك تدهن هم يدهنون ، فهو عطف على ( ودوا ) لا جواب ( لو ) لأجل تنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) على أن لينهم إنما هوخداع لم يرد به غير الفساد ، وقد أخروا الإدهان وإن كانوا قديمًا في وداده طمعًا في أن تبدأ به فيظهروه حينئذ ، قال القشيري: من أصبح عليلًا تمنى أن يكون الناس كلهم مرضى .
ولما نهاه عن طاعة المكذب وعلله ، وكان من الناس من يخفي تكذيبهن قال ناصبًا علامات المكذب: ( لو تطع ) أي في وقت من الأوقات منهم ولا من غيرهم ) كل حلاف ) أي مبالغ في الاجتراء على الأيمان وإن لم يظهر لك تكذيبه ، وليس المراد