صفحة رقم 118
نفسه ، ومن الآفاق كان هواياه أول ما سمعوه حسدًا على ما أوتيت من الشرف فكان سماعهم له باعثًا لما عندهم من البغض والحسد على أنه لم يزدهم تمادي الزمان إلا حنقًا بدلالة ) ويقولون ) أي قولًا لا يزالون يجددونه .
ولما كان ( صلى الله عليه وسلم ) في غاية البعد عما يشين ، أكدوا قولهم: ( إنه لمجنون( حيرة في أمرك وتنفيرًا عنك لما يعلمون من أنه لا يسمعه أحد لا غرض له إلا كذبهم ومال بكليته إليك وكان معك وارتبط بك واغتبط بما جئت به ، وعن الحسن أن قراءة هذه الآية دواء للإصابة بالعين .
ولما كان معنى قولهم هذا أن ما يقوله تخاليط من يصرع بالجن ، أكد بقصر القلب قوله معجبًا منهم )وما ) أي والحال أن هذا القرآن أو الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ما ) هو إلا ذكر ) أي موعظة وشرف ) للعالمين ) أي كلهم عاليهم ودانيهم ليس منهم أحد إلا وهو يعلم أنه لا شيء يشبهه في جلالة معانيه وحلاوة ألفاظه وعظمة سبكه ودقة فهمه ورقة حواشيه وجزالة نظومه ، ويفهم منه على حسب ما هيأه الله له ليناسب عموم ذكريته عموم الرسالة للمرسل به ، وكل ما في من وعد ووعيد وأحكام ومواعظ شامل لهم كلهم ، فوجبت التفرقة بين مسلمهم ومجرمهم لتصدق أقوالهم فيكمل جلاله وجماله فقد رجعت خاتمتها - كما ترى - على فاتحتها بالنون والقلم وما يسطرون من هذا الذكر ، وسلب ما قالوا فيه من الجنون والإقسام على الخلق العظيم الذي هو هذا الذكر الحكيم ، ونبه كونه ذكرًا لجميع الخلق بما فيه من الوعد والوعيد على أنه لا بد من الحاقة وهي القيامة ليظهر فيها تأويله وإجماله وتفصيله ، ويتضح غاية الاتضاح سبيله ، وتحق فيها حقائقه وتظهر جلائله ودقائقه بما يقع من الحساب ، ويتبين غاية البيان ويظهر الخطأ من الصواب - والله الهادي .