صفحة رقم 137
فيما أخطأتم به ) أي اردتم الصواب فلم تصيبوه ، وهذا الطعام يغسل ما في بطونهم من الأعيان والمعاني التي بها قوام صاحبها ، وهو بمنزلة ما كانوا يشحون به من أموالهم التي أبطنوها وادخروها في خزائنهم واستأثروا بها على الضعفاء .
ولما ذكر سبحانه وتعالى الحاقة التي جعلها دار الحساب للمحسن والمسيء اللذين قسمتها القدرة واقتضتهما الحكمة ، وصوب إليهما القرآن الذي هو ذكر للعالمين بالوعد والوعيد والبشارة والتهديد ، ومن المعلوم ببديهة العقل أنه لا يصح أصلًا في حكمة أحد أن يترك من تحت يده هملًا لا سيما إن كان تقدم إليهم بالأمر والنهي ، وأقام الدليل على قدرته عليها بتعذيب من استأصلهم لأجل تكذيب رسله ليكون عذابهم وتنجية المحسنين منهم مثلًا محسوسًا تشهد فيه الحاقة ، لأن من قدر على ذلك كانت له القدرة التامة على كل ممكن ، وذكر ما دلت الحكمة عليه من تنعيم الطائع وتعذيب العاصي بما هو أنسب الأشياء لعمل كل منهما في هذه الأساليب المعجزة مفردات وتراكيب ومعاني ، فدل ذلك على آخر سورة ( ن ) عاد إلى تقريره بوجه آخر ، وهو أنه لتمام علمه وكمال قدرته لا يقرر من كذب عليه على كذبه فضلًا عن أن يؤيده ، فقال مسببًا عن ذلك حين بلغ الأمر في الوضوح إلى النهاية ، ذاكرًا ما هو أبلغ من القسم لأن بعض أهل الجدل إذا حجه خصمه يقول: إنما غلبتني بأنك أتقن مني في الجدل بالحق ، فإن الحق معي ، فيحلف له صاحبه أنه ما غالطه ولا تعمد في جدله إلا الحق ، ) فلا أقسم ) أي لا يقع مني إقسام ) بما ) أي بمجموع ما ) تبصرون ) أي لكم أهلية إبصاره من كل ما دخل في عالم الشهادة ) وما لا تبصرون ) أي ما ليس لكم في هذا الدار أهلية إبصاره ، وذلك جميع الموجودات واجبها وجائزها معقولها ومحسوسها ، لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى إقسام وإن كنت أقسم في غير هذا الموضع بما شئت من أفارد هذا المجموع .
ولما أكد غاية التأكيد بما قال من أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا يحتمل التأكيد ، فكان ذلك تأكيدًا بعدم التأكيد ، استأنف الخبر عما أخبر أنه لا يحتاج إلى إقسام بإثبات أداة التأكيد لأجل إنكارهم ليكون الكلام جامعًا بين التأكيد بالنفي وبين التأكيد بالإثبات فقال: ( إنه ) أي هذا الذي ختمت به سورة ( ن ) ودل على الساعة بما أتى به نم هذه الأساليب التي هي مع كونها حكيمة معجزة ) لقول ) أي تلاوة ) رسول ) أي أنا أرسلته وعني أخذه ، وليس فيه شيء من تلقاء نفسه إنما هو كله رسالة واضحة جدًا ، أنا شاهد بها بما له من الإعجاز الذي يشهد أنه كلامي .
ولما كان من شأن الرسول أن لا يبلغ إلا ما أرسله به مرسله ، وكان بعض الرسل