صفحة رقم 139
في البعث فارق لأن الساجعين لا يرضون أن يأتوا بقرينة لا أخت لها ويعدون ذلك وعيًا عيبًا رديئًا ، وكذا تطويل السجع عن قرينتها وتضعيفها على عديلتها لا يرضى به ساجع ولو أنه هاجع ، ومباينة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للكهنة ظاهرة جدًا ، فإن الكاهن من ينصب نفسه للدلال على الضوائع والإخبار بالمغيبات يصدق فيها تارة ويكذب كثيرًا ، ويأخذ الجعل على ذلك ، ويقتصر على من يسأله ، فعبر لذلك ب ( كاهن ) دون ( ساجع ) أدار أمره على التفكر فقال: ( قليلًا ما ( وأكد أمر القلة والخفاء بإدغام تاء التفعل فقال تعالى: ( تذكرون ( فلذلك يلتبس عليكم الأمر أو على من تلبسون عليه بذلك ، فعلم أن الذي يفرق بينهما موجود فيهم لأنه يرى أن الكتاب تابع للمعنى الصحيح الثابت ، فإن صح غاية الصحة مع وجود القرائن المتوافقة في الروي كان وإلا انتقل عن ذلك إلى قرائن غير متوافقة في روي ولا ما يقاربه ، أو قريبة مفردة مع إمكان جعلها كما قبلها لكن مع نقصان المقصور وطول الكلام ونحو ذلك ، وأن النبي( صلى الله عليه وسلم ) لم يدّع يومًا من الأيام علم الغيب ولا نصيب نفسه الشريفة لشيء مما الكهان فيه ولا نقل في ساعة من الدهر عن الجن خبرًا ذكرًا أنه استفاده منهم ولا مدحهم لذلك كما تفعل الكهان ، بل ذم الفاسقين منهم غاية الذم وقال: إن أكثر ما يأتون به الكذب ، ولا سأل جعلًا عما يدعو إليه ولا اقتصر على من يأتيه اللسؤال ، بل هو ( صلى الله عليه وسلم ) يتبع الناس في مجامعهم يدعوهم إلى الله بإنقاذهم نم الضلال فمباينته للكهان لا يحتاج إلى غير تذكر قليل - كما أشار إليه إدغام تاء التفعل - فثبت أن القول ليس بكهانة ، وقائله والمؤدي له ليس بكاهن ، ونسبة القول إلى المبلغ لكونه مبلغًا واضحة الصحة .
ولما أثبت أنه قول الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ، ونفى عنه ما قد يلبس من الشعر والكهانة ، ولم يذكر ما كانوا يرمونه به من السحر والأضغاث لأنه عتاد محض لا يرتاب أحد فيه ، وكانت السورة مقصودًا فيه إثبات الحقائق التي قد تخفى ، وصفة بما يحقق ما أريد من نسبته إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقال: ( تنزيل ) أي على وجه التنجيم وأشار إلى إرساله إلى جميع الخلق من أهل السماوات والأرض بقوله: ( من رب العالمين ) أي موجدهم ومدبرهم بالإحسان إليهم بما يفهم كل منهم من هذا الذكر الذي رباهم به ، ورتب سبحانه نظمه على وجه سهله على كل منهم شيئًا يكفي في هدايته البيانية بخلاف الشعر والكهانة فإنه لا يفهمهما إلا قليل من الناس لا جميع العالمين ، بل كثير من أكابر العلماء وحذاقهم ربما قرىء على أحد منهم الآن القصيدة من قصائد العرب فلا يفهم المراد منها ولا يتضح له بوجه .
ولما كان قد بقي من الأقسام التي كانوا يتقولونها عليه الافتراء في الرسالة بمعنى