صفحة رقم 166
ولما كان قد عم جميع الأوقات بالدعاء قال: ( ليلًا ونهارًا ( فعبر بهذا عن المداومة .
ولما تسبب عن ذلك ضد المراد قال: ( فلم يزدهم دعاءي ) أي شيئًا من أحوالهم التي كانوا عليها ) إلا فرارًا ) أي بعدًا عنك ونفورًا وبغضًا وعراضًا حتى كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ، وأسند الزيادة إلى الدعاء لأنه سببها .
ولما كان الفرار مجازًا عن رد كلامه ، عطف عليه ما يبينه ، فقال مؤكدًا لأن إعراضهم مع هذا الدعاء الطويل مما لا يكاد يصدق: ( وإني كلما( على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات ) دعوتهم ) أي إلى الإقبال عليك بالإيمان بك والإخلاص لك .
ولما كان إعراضهم عما ينفعهم أقبح ، ذكر ما يتسبب عن الإجابة بالإيمان فقال: ( لتغفر لهم ) أي ليؤمنوا فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحدود محوًا بالغًا فلا يبقى لشيء من ذلك عينًا ولا أثرًا حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم ) جعلوا ) أي في كل دعاء ، ودل على مبالغتهم في التصامم بالتعبير بالكل عن البعض فقال: ( أصابعهم( كراهة له واحتقارًا للداعي ) في آذانهم ( حقيقة لئلا يسمعون الدعاء إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك ، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا ، ودلوا على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله:( واستغشوا ثيابهم ) أي أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم إيجاد من هو طالب لذلك شديد الرغبة فيه حتى يجمعوا بين ما يمنع السماع لكلامه والنظر إليه إظهارًا لكراهته وكراهة كلامه ، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائمًا ) وأصروا ) أي داموا على سوء أعمالهم دوامًا هم في غاية الإقبال عليه ، من أصر الحمار على العانة - إذا صر أذنيه وأقبل عليها يطردها ويكدمها ، استعير للإقبال على المعاصي وملازمتها لأنه يكون بغاية الرغبة كأن فاعله حمار وحش قد ثارت شهوته ) واستكبروا ) أي أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه ، وأكد ذلك بقوله: ( استكبارًا ( تنبيهًا على أن فعلهم منابذ للحكمة ، فكان مما ينبغي أن لا يفعلوه فهو مما لا يكاد يصدق لذلك ، وقد نادت هذه الآيات بالتصريح في غير موضع بأنهم عصوا نوحًا عليه الصلاة والسلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهرًا بتعطيل الأسماع والأبصار ، وباطنًا بالإصرار والاستكبار ولم يوافقوه بقول ولا فعل ، فلعنة الله عليهم وعلى من يقول: إنهم وافقوه بالفعل ، لأنه دعاهم للمغفرة وقد غطوا وجوههم ، والغطية هي الغفر ونخحو ذلك من الخرافات التي لو سمعها أسخف عباد الحجارة الذين لا أسخف منهم لهزؤوا بقائلها ، وما قال هذا القائل ذلك إلا تحريفًا لكتاب الله بنحو تحريف الباطنية الذين أجمعت الأمة على تكفيرهم لذلك التحريف ،