فهرس الكتاب

الصفحة 4540 من 4996

صفحة رقم 168

ولما ذكر دعاءه في جميع الأوقات مع إعراضهم ، وكان هذا مؤيسًا وموجبًا للإقلاع عن الدعاء ، وإن وجد الدعاء بعده في غاية البعد منه على إيجاده مع الاستغراق به لجميع الحلات كما استغرق جميع الأوقات ، فعبر بأداة التراخي للدلالة على تباعد الأحوال فقال: ( ثم ( وأكد لنحو ما مضى من أن تجرد إقبالهم على دعائهم بعد ذلك لا يكاد يصدق فضلًا عن الإكثار منه فقال:( إني دعوتهم ) أي إلى الإيمان ومنابذة الشيطان .

ولما كان الجهر أحد نوعي الدعاء ، نصبه به نصب المصدر فقال: ( جهارًا ) أي مكاشفة في فخامة الصوت والتعميم لجماعتهم جليلهم وحقيرهم والإخلاص في ذلك والمداومة له حتى كاد بصري يكل من شدة التحديث إليهم والإقبال عليهم من غير احتجاب عنهم ولا ارتقاب منهم بل مباغتة ، وكررت ذلك عليهم حتى أخرجت ما عندهم من الجواب ، ولم أكف عند سد آذانهم واستغشائهم ثيابهم .

ولما كان الجهر قد لا يشيع ولا ينشر في جماعاتهم ، قال مشيرًا إلى أنه أذاع ذلك ، وأكد للإشارة إلى ما فيه من الشدة فقال: ( ثم إني أعلنت ) أي أظهرت وأشعت وشهرت ليعلموا أنه الحق من ربهم لكوني لست بوجه فإني كررت ذلك عليهم بعد أن سقط الوجوب عني ، ولما قدم الجهر لأنه أقرب إلى عدم الاتهام ، وكان السر أجدر بمعرفة الضمائر وأقرب إلى الاستمالة ، أتبعه به فقال: ( وأسررت لهم ) أي دعوت كل واحد منهم على انفراده ليكون أدعى له وأجدر بقبوله النصيحة ، وأدل على الإخلاص ، وكل ذلك ما فعلته إلا لأجل نصيحتهم ، لا حظ لي أنا في ذلك ، ولما كان تحين الإنسان ليكون وحده ليس عنده أحد ولا هو مشتغل بصارف مما يعسر جدًا فلا يكاد يصدق أكده فقال: ( إسرارًا ( وليدل بتأكيده على تأكيد ما قبله من الأفعال ، والظاهر من حاله ومن هذا الترتيب مما صرح به من الاجتهاد أنه سار فيه على مقتضى الحكمة ، فدعا أولًا أقرب الناس إليه وأشدهم به إلفًا ، ثم انتقل إلى من بعدهم حتى عمهم الدعاء ، وكانت هذه الدعوة سرًا كل واحد منهم على حدته ليعلموا نصحه ولا يحمل الدعاء ، وكانت هذه الدعوة سرًا كل واحد منهم على حدته ليعلموا نصحة ولا يحمل أحد منهم ذلك على تبكيت ولا تقريع ، جهر ليعلموا أنه ملجأ من الله إلى ذلك ، وأنها عزمة إن قصروا فيها عن الأجابة عوقبوا ، فلما أصروا جمع بين السر والعلن ، فلما تمادوا وطال الأذى شكى ، وعلى هذا فثم لبعد الرتب لا للترتيب في الزمان ، ويمكن كونها للترتيب لأن الجهر أبعد عن الاتهام ثم الإعلان بعده أزيد بعدًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت