صفحة رقم 208
ولما كان التقدير: فاجتهد في التهجد ، عطف عليه قوله حاثًا على حضور الفكر: ( واذكر اسم ربك ) أي المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ذكرًا من اسم وصفة وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال على علم شرعي وأدب مرعي ودم على ذلك ، فإذا عظمت الاسم بالذكر فقد عظمت المسمى بالتوحيد والإخلاص ، وذلك عون لك على مصالح الدارين ، أما الآخرة فواضح ، وأما الدنيا فقد أرشد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أعز الخلق عليه فاطمة ابنته رضي الله عنها لما سأتله خادمًا يقيها التعب إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم .
ولما كان الذكر قد يكون مع التعلق بالغير ، أعلم أن الذاكر في الحقيقة إنما هو المستغرق فيه سبحانه وبه يكون تمام العون فقال: ( وتبتل ) أي اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل ، والإخلاص في جميع أعمالها بالتدريج قليلًا قليلًا ، منتهيًا: ( إليه ( ولا تزل على ذلك حتى يصير لك ذلك خلقًا فتكون نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع ومقطعة تقطعيًا كثيرًا بكل قاطع ، فيكون التقدير - بما أرشد إليه المصدر( تبتلًا ) وبتلها ) تبتيلًا ( فأعلم بالتأكيد بالمصدر المرشد إلى الجمع بين التفعل والتفعيل بشدة الاهتمام وصعوبة المقام ، وهو من البتل وهو القطع ، صدقة بتلة أي مقطوعة عن صاحبها ، ولذلك قال زيد بن أسلم: التبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله تعالى ، والبتول مريم عليها السلام لانقطاعها إلى الله تعالى ، عن جميع خلقه ، وكذا فاطمة الزهراء البتول أيضًا لانقطاعها عن قرين ومثيل ونظير ، فالمراد بهذا هو المراد بكلمة التوحيد المقتضية للإقبال عليه والإعراض عن كل ما سواه ، وذلك بملازمة الذكر وخلع الهوى ، والآية من الاحتباك وهو ظاهر: ذكر فعل التبتل دليلًا على حذف مصدره ، وذكر مصدر بتل ديليلًا على حذف فعله .
ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم ، بين أنه سبحانه الذي أنعم يسكن الليل الذي أمر بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه ، فقال واصفًا الرب المأمور بذكره في قراءة ابن عامر ويعقوب والكوفيين غير حفص معظمًا له بالقطع في قراءة الباقين بالرفع: ( رب المشرف ) أي موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه ويضيء بها الصباح وعند الصباح يحمد القوم السرى بما أنالهم من الأنوار في مرائي قلوبهم وما زينها به من شهب المعاني كما أوجد لهم في آفاق أفلاكهم