فهرس الكتاب

الصفحة 4595 من 4996

صفحة رقم 223

خالصًا ، فإنه إذا زال الاستكثرا حصل الإخلاص ، لأنه لا يتعلق همه بطلب الاستمثال ، فكيف بالاستقلال ، فيكون العمل في غاية الخلوص لا يقصد به ثوابًا أصلًا ، ولا يراد لغير وجه الله تعالى ، وهذا هو النهاية في الإخلاص .

ولما كان الإنذار شديدًا على النفوس يحصل به من المعالجات ما الموت دونه ، لأن ترك المألوفات أصعب شيء على النفوس ، وكذا ترك الفوائد ، قال أمرًا بالتحلي بالعاصم بعد التخلي عن القاصم ، معلمًا بأن الأذى من المنذرين أمر لا بد منه فيدخل في الطاعة على بصيرة ، فاقتضى الحال لذلك أن الإنذار يهون بالغنى عن الفانين والكون مع الباقي وحده ، فأشار إلى ذلك بتقديم الإله معبرًا عنه بوصف الإحسان ترغيبًا فقال: ( ولربك ) أي المحسن إليك ، المربي لك ، المدبر لجميع مصالحك وحده ) فاصبر ) أي على مشاق التكاليف أمرًا ونهيًا وأذى المشركين وشظف العيش وجميع البلايا ، فإنه يجزل عطاءك من خير الدارين بحيث لا يحوجك إلى أحد ، ويحوج الناس إليك ، ويهون عليك حمل المشاق في الدارين ولا سيما أمر يوم البعث ، فإن من حمل العمل في الدنيا حمله العمل في الآخرة .

ولما كان المقام للإنذار ، وكان من رد الأوامر تكذيبًا كفر ، ومن تهاون بها من أطاع ولا شكر ، حذر من الفتور عنها بذكر ما للمكذب بها ، فقال مسببًا عن ذلك باعثًا على اكتساب الخيرات من غير كسل ولا توقف ، مذكرًا بن الملك التقم القرن وأصغى بجبهته انتظارًا للأمر بالنفخ ، مشيرًا بالبناء للمفعول إلى هوانه لديه وخفته عليه مؤذنًا بأداة التحقق أنه لا بد من وقوعه: ( فإذا نقر ) أي نفخ وصوّت بشدة وصلاة ونفوذ وإنكاء ) في الناقور ) أي الصور وهو القرن الذي إسرافيل عليه السلام ملتقمه الآن وهو مصغ لانتظار الأمر بالنفخ فيه للقيامة ، ويجوز أن يراد الأيام التي يقضي فيها بالذل على الكافرين كيوم بدر والفتح وغيرهما كما جعلت الساعة والقيامة كناية عن الموت ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من مات فقد قامت قيامته ) عبر عنه بالنقر إشارة إلى أنه في شدته كالنقر في الصلب فيكون عنه صوت هائل ، وأصل النقر القرع الذي هو سبب الصوت فهو أشد من صدعك لهم بالإنذار للحذار من دار البوار ، فهنالك ترد الأرواح إلى أجسادها ، فيبعث الناس فيقومون من قبورهم كنفس واحدة ، وترى عاقبة الصبر ، ويرى أعداؤك عاقبة الكبر ، والتعبير فيه بصيغة المبالغة وجعله فاعلًا كالجاسوس إشارة إلى زيادة العظمة حتى كأنه هو الفاعل على هيئة هي في غاية الشدة والقوة ، وحذر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه رضي الله عنهم من النفخ في الصور وقربه فقالوا: ( كيف نقول يا رسول الله ؟ قال: قولوا حسبنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت