فهرس الكتاب

الصفحة 4628 من 4996

صفحة رقم 256

كان على هذه الحالة عند أغلب الناس ، أخبر بما هو حقيق أن يقال له في موضع ( تحية أهله ) من التهديد العظيم فقال: ( أولى لك ) أي أولاك الله ما تكره ، ودخلت اللام للتأكيد بقوله: ( فأولى ) أي ابتلاك الله بداهية عقب داهية ، وأبلغ ذلك التأكيد إشارة إلى أنه يستحقه على مدى الأعصار ، فقال مشيرًا بأداة التراخي إلى عظيم ما ارتكب وقوة استحقاقه لهذا التأكيد: ( ثم أولى لك ) أي ألها الذي قد أحل نفسه بالغفلة دون محل البهائم ) فأولى ) أي وصلت إلى هذا الهلاك بداهية تعقبها تارة متواليًا وتارة متراخيًا ، وبعضها أعظم من بعض ، لحقك ذلك لا محالة ، فإن هذا دعاء ممن بيده الأمر كله ، ويجوز أن يكون المعنى: أولى لك أن تترك ما أنت عليه وتقبل على ما ينفعك ، وقال ابن جرير في تفسير المدثر: إن أبا جهل لما استهزأ على جعل مزنة النار تسعة عشر أوحى الله إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأتيه فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: أولى لك - إلى آخرها ، فلما قال ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئًا ، فأخزاه الله يوم بدر - انتهى .

ويمكن تنزيل الكلمات الأربع على حالاته الأربع: الحياة ثم الموت ثم البعث ثم دخول النار ، فيكون المعنى: لك المكروه الآن في الموت والبعث ودخول النار .

قال البغوي: وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول: ( إن لكل أمة فرعونًا ، وإن فرعو هذه الأمة أبو جهل ) وقد أفهمت الآية أن من أصلح قوتي علمه وعمله بأن صدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقبل وأقام الصلاة فتبعتها جميع الأعمال التي هي عمادها ، فنشأ عن ذلك خلق حسن وهو الوجل مع الطاعة ، فهنالك يقال له: بشرى لك فبشرى ثم بشرى لك فبشرى .

ولما كان هذ فعل من أعرض عن الله أصلًا فلم يخطر شيئًا من عظمته على باله ، فكان ظانًا أنه مهمل لا مالك له وأنه هو السيد لا عبودية عليه ، فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعمل إلا بمقتضى شهواته ، قال منكرًا ليه معبرًا بالحسبان الذي الحامل عليه نقص العقل: ( أيحسب ) أي أيجوز لقلة علقه ) الإنسان ) أي الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز محتاج بما يرى في نفسه وأبناء جنسه .

ولما كان الحامل على الجراءة مطلق الترك هملًا ، لا كون الترك من معين ، قال بانيًا للمفعول: ( أن يترك ) أي يكون تركه بالكلية ) سدى ) أي مهملًا لاعبًا لاهيًا لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه فيسأله عن شكره فيما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت