صفحة رقم 277
والعشاء ، وذكرهما بالسجود تنبيهًا على أنه أفضل الصلاة ، فهو إشارة إلى أن الليل موضع الخضوع ، وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص ومزيد الفضيلة لأن الالتفات فيه إلى جانب الحق أتم لزوال الشاغل للحواس من حركات الناس وأصواتهم وسائر الأحوال الدنيوية ، فكان أبعد عن الرياء فكان الخشوع فيه واللذة التامة بحلاوة العبادة أوفى ) وسبحه ) أي بالتهجد ) ليلًا طويلًا ( نصفه أو أكثر منه أو أقل ، ولعله سماه تسبيحًا لأن مكابدة القيام فيه وغلبة النوم تذكر بما لله من العظمة بالتنزه عن كل نقيصة ، ولأنه لا يترك محبوبه من الراحة بالنوم إلا من كان الله عنده في غاية النزاهة ، وكان له في غاية المحبة .
ولما أنهى أمره بلازم النهي ، علل النهي بقوله محقرًا بإشارة القريب مؤكدًا لما لهم من التعنت بالطعن في كل ما يذكره ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن هؤلاء ) أي الذين يغفلون عن الله من الكفرة وغيرهم فاستحقوا المقت من الله ) يحبون ) أي محبة تتجدد عندهم زيادتهم في كل وقت ) العاجلة ) أي ويأخذون منها ويستخفون لما حفت به من الشهوات زمنًا قليلًا لقصور نظرهم وجمودهم على المحسوسات التي الإقبال لعيها منشأ البلادة والقصور ، ومعدن الأمراض للقلوب التي في الصدور ، ومن تعاطى أسباب المرض مرض وسمي كفورًا ، ومن تعاطى ضد ذلك شفي وسمي شاكرًا ، ويكرهون الآخرة الآجلة ) ويذرون ) أي يتركون منها على حالة هي من أقبح ما يسوءهم إذا رأوه ) وراءهم ) أي أمامهم أي قدامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه ، أو خلفهم لأنه يكون بعدهم لا بد أن يدركهم ) يومًا ) أي منها .
ولما كان ما أعيا الإنسان وشق عليه ثقيلًا قال: ( ثقيلًا ) أي شديدًا جدًا لا يطيقون حمل ما فيه من المصائب بسبب أنهم لا يعدون له عدته ، فالآية من الاحتباك: ذكر الحب والعاجلة أولًا دلالة على ضدهما ثانيًا ، اولترك والثقل ثانيًا دالالة على ضدهما أولًا ، وسر ذلك أن ما ذكره أدل على سخافة العقل بعدم التأمل للعواقب .
الإنسان: ( 28 - 31 ) نحن خلقناهم وشددنا. .. . .
)نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (( )
ولما كان تركهم لليوم الثقيل على وجه التكذيب الذي هو أقبح الترك ، وكان تكذيبهم لاعتقادهم عدم القدرة عليه قال دالًا على الإعادة بالابتداء من باب الأولى: ( نحن خلقناهم( ، بما لنا من العظمة لا غيرنا ) وشددنا أسرهم ) أي قوينا وأتقنا ربط مفاصلهم الظاهرة والباطنة بالأعصاب على وجه الإحكام بعد كونهم نطفة أمشاجًا في