صفحة رقم 322
القبور من علمهم بما مر من زمانهم وما يأتي منه ) لم يلبثوا ) أي في الدنيا وفي القبور ) إلا عشية ) أي من الزوال إلى غروب الشمس .
ولما كانوا على غير ثقة من شيء مما يقولونه قال: ( أو ضحاها ) أي ضحى عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال ، والعشية ما بعد ذلك ، أضيف إليها لاضحى لأنه من النهار ، ولإضافة تحصل بأدنى ملابسة ، وهي هنا كونهما من نهار واحد ، فالمارد ساعة من نهار أوله أو آخره ، لم يستكملوا نهارًا تامًا ولم يجمعوا بين طرفيه ، وهذا كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبه في اليم فلينظر بما يرجع ) وهذا تعبير لنا بما نحسه تقريبًا لعقولنا وإن كانت القاعدة أنه لا نسبة لما يتناهى إلى ما لا يتناهى على أن الكفار أيضًا يستقصرون مدة لبثهم ، فكأنهم أصناف: بعضهم يقول: إن لبثتم إلا عشرًا ، وبعضهم يقول: إن لبثتم إلا يومًا ، وبعضهم يتحير فيقول: اسأل العادين ، أو أن تلك أقوالهم ، والحق من ذلك هو ما أخبر الله به غير مضاف إلى أقوالهم من أن ما مضى لهم في جنب ما يأتي كأنه ساعة من نهار بالنسبة إلى النهار الكامل كما قال تعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسلام
77 ( ) ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ( ) 7
[ يونس: 45 ] على أن منهم من يقول ذلك أيضًا كما قال تعالى في سورة المؤمنين حين قال تعالى
77 ( ) كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم اسأل العادين ( ) 7
[ المؤمنون: 112 113 ] وذلك بالنسبة إلى ما كشف لهم عن أنهم يستقبولنه مما لا آخر له أو أنهم لما نزعتهم نفحة إسرافيل عليه الصلاة والسلام بيد القدرة من قبورهم غرقًا نزعًا شديدًا فقاموا ورأوا تلك الأهوال وعلموا ما يستقبلونه من الأوجال استقصروا مدة لبثهم قبل ذلك لأن من استلذ شيئًا استقصر مدته وهم استلذوةا ذلك وإن كان من أمرّ المرّ في جنب لهم عن أنهم لاقوه ، فقد رجع آخرها بالقيامة على أولها ، والتف مفصلها بنزع الأنفس اللوامة على موصلها ، واتصلت بأول ما بعدها من جهة الخشية والتذكر فيا طيب متصلها ، فسبحان من جعله متعانق المقاطع والمطالع ، وأنزله رياضًا محكمة المذاهب والمراجع ، والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب .