صفحة رقم 386
ولما أقسم بالسماء لما لها من الشرف والمجد تنبيهاص على ما فيها من بدائع الصنع الدالة على القدرة الباهرة .
أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس النجوم ثم بأعربة وهو المعد للحراسة تنبيهًا على ما في ذلك من غرائب القدرة فقال: ( والطارق ) أي جنس الكواكب الذي يبدو ليلًا ويخفى نهارًا ، ويطرق مسترقي السمع فيبدد شملهم ويهلك من أراد الله منهم لأجل هداية الناس بالقرآن في الطرق المعنوية وظهوره وإشراقه في السماء لهدايتهم في الطرق الحسية وهو في الأصل لسالك الطريق ، واختص عرفًا بالآتي ليلًا لأنه يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى طرقها ، ثم استحمل للبادي فيه كالنجم .
ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أولًا ثم عظم المقسم به بقوله: ( وما أدراك ) أي عرفك يا أشرف خلقنا عليه الصلاة والسلام وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه ) ما الطارق ( ثم زاده تهويلًا بتفسيره بعد إبهامه مرة أخرى بقوله تعالى:( النجم الثاقب ) أي المتوهج العالي المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره فينفذ فيه ، يقال: أثقب نارك للموقد ، أو يثقب بضوئه الأفلاك فتشف عنه ، أو يثقب الشيطان بناره إذا استرق السمع ، والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل ، عبر عنه أولًا بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيمًا لشأنه لعلو مكانه .
ولما ذكر الذي دل به على حفظ القرآن عن التلبيس وعلى حفظ الإنسان ، ذكر جوابه في حفظ النفوس التي جعل فيها قابلية لحفظ القرآن في الصدور ، ودل على حفظ ما خلق لأجلها من هذه الأشياء المقسم بها على حفظ الإنسان لأنها إذا كانت محفوظة عن أدنى زيغ وهي مخلوقة لتدبير مصالحه فما الظن به ؟ فقال مؤكدًا غاية التأكيد لما للكفرة من إنكار ذلك والطعن فيه ) إن ( بالتخفيف من الثقيلة في قراءة الجمهور أي أن الشأن ) كل نفس ) أي من الأنفس مطلقًا لا سيما نفوس الناس ) لما عليها ) أي بخصوصها لا مشارك لها في ذاتها ) حافظ ) أي رقيب عتيد لا يفارقها ، والمراد به الجنس من الملائكة ، فبعضهم لحفظها من الآفات ، وبعضها من الوساوس ، وبعضهم لحفظ أعمالها وإحصائها بالكتابة ، وبعضهم لحفظ ما كتب لها من رزق وأجل وشاقوة أو سعادة ومشي ؟ ونكاح وسفر وإقامة ، فلا يتعدى شيئًا من ذلك نحن قسمنا نحن قدرنا ، فإن قلت: إن الحافظ الملائكة ، صدقت ، وإن قلت: إنه الله ، صدقت ، لأنه الآمر لهم والمقدر على الحفظ ، والحافظ لهم من الوهن والزيغ ، فهو الحافظ الحقيقين واللام في هذه القراءة هي الفارقة بين المخففة والنافي ( وما ) مؤكداة بنفي صدر ما أثبتته الجملة ، ( وحافظ ) خبر ( إن ) ويجوز ان يكون الظرف الخبر ، و ( حافظ ) مرتفع به ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد ( لما ) على أنها بمعنى و ( إن ) نافية بمعنى