صفحة رقم 392
)الكافرين ) أي فلا تدع عليهم ولا تستعجل لهم بالإهلاك ، فإنا لا نعجل لأنه لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت ، حكي أن الحجاج كان سجنه من رخام وأرضه من رصاص ، فكان يتلون بتلون الأوقات ، فوقت الحر جهنم ، ووقت البرد زمهرير ، فمر به يومًا فاستغاثوا فطأطأ رأسه لهم وقال: اخسؤوا فيها ولا تكلمون ، فأخذت الأرض قوائم جواده فرفع طرفه إلى السماء وقال: سبحانك لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت ، وانطلق من وقته ، فإن العجلة - وهي - إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به - نقص فإنه لا يعجل إلا من يكون ما يفعل المستعجل عليه خارجًا عن قبضته .
ولما كانت صيغة التفعيل ربما أفهمت التطويل ، أكد ذلك مجردًا للفعل دلالة على أن المراد بالأول إيقاع الإمهال مع ان زمنه قصير بالتدريج ليطمئن الممهل بذلك وتصر له به قوة عظيمة ودرته ؟ وعزيمة صادقة لأن ما يقولونه مما تشتد كراهة النفوس له ، فلا يقدر أحد على الإعراض عنه إلا بمعونة عظيمة: ( أمهلهم ) أي بالإعراض عنهم مرة واحدة بعد التدريج لما صار لك على حمله من القوة بالتدريج - الذي أمرت به سابقًا ) رويدًا ) أي إمهالًا يسيرًا فستكون عن قريب لهم أمور ، وأي أمور تشفي الصدور ، وهو تصغير ( ارادوا ) تصغير ترخيم ، قال ابن برجان: وهي كلمة تعطي الرفق ، وهذا الآخر هو المراد بما في أولها من أن كلاًّ منهم ومن غيرهم محفوظ بحفظه مضبوطة أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وأحواله ، فإن ذلك مستلزم لأنه في القبضة ، فقد التقي الطرفان على أعظم شأن بأبين برهان ، ووقع أول هذا الوعيد يوم بدر ثم تولى نكالهم وتحقيرهم وإسفالهم إلى أن ذهب كثير منهم بالسيف وكثر منهم بالموت حتف الأنف إلى النار ، وبقي الباقون في الصغار إلى أن أعزهم الله بعز الإسلام ، وصاروا من الأكابر الأعلام ، تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ، والله تعالى هو أعلم بالصواب .