صفحة رقم 394
مثنيًا عليه سبحانه بالجلال ثم الجمال فيعبده على ما يليق به من امتثال أمره واجتناب نهيه تعظيمًا لقدره: ( سبح ) أي نزه وبرئ تنزيهًا وتبرئة عظمتين جدًا قويتين شديدتين ) اسم ربك ) أي المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال بتربيتك على أحسن الخلال حتى كنت في غاية الجلال والجمال .
ولما كان الإنسان محتاجًا في أن تكون حياته طيبة ليتمكن مما يريد إلى ثلاثة أشياء: كبير ينتمي إليه ليكون له به رفعة ينفعه بها عند مهماته ، ويدفع عنه عند ضروراته ، ومقتدى يربط به نفسه عند ملماته ، وطريقة مثلى ترتكبها كما أشار إليه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( رضيت بالله ربًا وبمحمد( صلى الله عليه وسلم ) نبيًا ورسولًا وبالإسلام دينًا ) أرشده ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أن الانقطاع إليه أعلى الجاه ، فقال واصفًا لمن أمره بتسبيحه بإثبات ما له من الواجبات بعد نفي المستحيلات كما أشار إليه ( سبحانك وبحمد ) : ( الأعلى ) أي الذي له وصف الأعلوية في المكانة لا المكان على الإطلاق عن كل شائبة نقص وكل سوء من الإلحاد في شيء من أسمائه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه غلى غييره مع زعم أنهما فيه سواء ، وذكره خاليًا عن التعظيم وغير ذلك ليكون راسخًا في التنزيه فيكون من أهل العرفان الذين يضيئون على الناس مع كونهم في الرسوخ كالأوتاد الشامخة التي هي مع علوها لا تتزحزح ، وقد ذكر سبحانه هذا المعنى معبرًا عنه بجميع جهاته الأربع في ابتداء سور أربع استيعابًا لهذه الكلمة الحسنى الشريفة من جميع جهاتها .
فابتداء سورة الإسراء التي هي سورة الإحسان ب ( سبحان ) المصدر الصالح لجميع معانيه إعلامًا بأن هذا المعنى ثابت له مطلقًا غير مقيد بشيء من زمان أو غيره ، ثم ثنى بالماضي في أول الحديد والحشر والصف تصريحًا بوقوع ما أفهمه المصدر في الماضي الذي يشمل أزل الآزال إلى وقت الإنزال ، ثم ثلث في أول الجمعة والتغابن بالمضارع لأن يفهم مع ما أفهم المصدر والماضي دوام التجدد ، فلما تم ذلك من جميع وجوهه توجه الأمر فخصت به سورته ، وقد مضى في أول الحديد والجمعة ما يتمم هذا .
ولما كان الإبداع أدل ما يكون مع التنزه على الكمال لا سيما النور الذي هو سبب الانكشاف والظهور ، مع أنه تفصيل لقوله ( مم خلق ) وهو أدل شيء على البعث المذكور ( في يوم تبلى السرائر ) قال مبينًا للفاعل الذي أبهمه لوضوحه في ( مم خلق ) مرغبًا في الفكر في أفعاله سبحانه وتعالى الذي هو السبب الأقرب للسعادة بالدلالة عليه بما له من الجائزات بعد الترغيب في الذكر الذي هو المهيئ للفكر: ( الذي خلق ) أي أوجد من العدم أي له صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء ) فسوّى ) أي أوقع مع الإيجاد وعقبه التسوية في كل خلق بأن جعل له ما يتأتى معه كماله ويتم معاشه ، وعدل بين