فهرس الكتاب

الصفحة 4804 من 4996

صفحة رقم 432

كأنه أتاه من غير فكر ولا روية بل هجمًا ) العقبة ( وهي طريق النجاة ، والمقرر في اللغة أنها الطريق الصاعد في اجبل المستعار اسمها لأفعال البر المقرر في النفوس مريحة لا متعب ، مع كونها أعظم فخرًا وأعلى منقبة ، لأنا حجبناه عنها بأيدينا وعظيم قوتنا وعجيب قدرتنا ، وذلك أن الخير لما كان محببًا إلى القلوب معشوقًا للنفوس مرغوبًا فيه لا يعدل عنه أحد ، جعلناه في بادئ الأمر كريهًا وعلى النفوس مستصعبًا ثقيلًا حتى صار لمخالفته الهوى كأنه عقبة كؤود ، لا ينال ما فيه من مشقة الصعود ، إلا بعزم شديد وهمة ماضية ، ونية جازمة ، ورياضة وتدريب ، وتأديب وتهذيب ، وشديد مجاهدة وعظيم مكابدة للنفس والهوى والشيطان ، بحيث يكون متعاطيه في فعله له كالرامي بنفسه المتعدي لطوره لم يختر لنفسه الخير بما أوتي من البصر الذي يبصر به صنائع الله ، والبصيرة التي يعرف بها ما يضره وما ينفعه شكرًا لربه سبحانه وتعالى ويكون ذلك لإحسانه إليه ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، وهل جزاء النعمة إلا الشكر ، بل اختار الشر وارتكب الضر مع أنا هيأناه لكل منهما فبانت لنا القدرة .

واتضحت في صفاتنا العظمة ، وتحقق له الضعف وظهر منه النقص والعجز ، فوجب عليه لعزتنا الخضوع ، وإجراء مصون الدموع وإظها الافتقار والذل والصغار ، لنقحمه سبيل الجنة وننجيه من طريق النار ، ومن اقتحم هذه العقبة التي هي للأعمال الصالحة اقتحم عقبة الصراط ، فكانت سهولتها عليه بقدر مكابدته لهذه ، واستراح من تلك المكابدات والأحزان والهموم وصار إلى حياة طيبة كما قال الله تعالى

77 ( ) من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ( ) 7

[ النحل: 97 ] الآية ، وقتحامها بأن يرتحل من عالمه السافل إلى العالم العالي الكامل الذي ليس فيه إلا اللذة ، وذلك هو الاعتراف بحق العبودية ، وتلك هي الحرية لأن الحر من خرج من رق الشهوات إلى خدمة المولى ، فصار طوع أمره في سره وجهره لا حظ لشهوة فيه ولا وصول لحظ إليه ، وذلك يكون بشيئين: أحدهما جذب والآخر كسب ، فالمجذوب محمول .

والكاسب في تعب المجاهدات بسيف الهمة العالية مصول .

ولما بين أنه لا خلاص من النكد إلا بهذا الاقتحام ، شرع في تفسير العقبة بادئًا بتهويل أمرها لعظيم قدرها ، فقال معبرًا بالماضي الذي جرت عادة القرآن بأنه إذا عبر به شرح المستفهم عنه: ( وما أدراك ) أي أيها السامع لكلامنا ، الراغب فيما عندنا ) ما العقبة ) أي إنك لم تعرف كنه صعوبتها وعظمة ثوابها ، فلما تفرغ القلب بالاستفهام عما لا يعرفه ، وكان الإنسان أشهى ما إليه تعرف ما أشكل عليه ، فتشوفت النفوس إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت