فهرس الكتاب

الصفحة 4852 من 4996

صفحة رقم 480

وضره ونفعه .

ولما كان الحيوان أكمل المخلوقات ، وكان الإنسان أكمل الحيوان وزبدة مخضه ، ولباب حقيقته وسر محضه ، وأدل على تمام القدرة لكونه جامعًا لجميع ما في الأكوان ، فكان خلقه أبدع من خلق غيره ، فكان لذلك أدل على كمال الصانع وعلى وجوب إفراده بالعبادة ، خصه فقال: ( خلق الإنسان ) أي هذا الجنس الذي من شأنه الأنس بنفسه وما رأى ما أخلاقه وحسه ، وما ألفه من أبناء جنسه .

ولما كانت العرب تأكل الدم ، وكان الله تعالى قد حرمه لأنه أصل الإنسان وغيره من الحيوان وهو مركب الحياة ، فإذا أكل تطبع آكله بخلق ما هو دمه ، قال معرفًا بأنه سبحانه وتعالى بنى هذه الدار على حكمة الأسباب مع قدرته على الإيجاد من غير تطوير في تسبيب: ( من علق ) أي خلق هذا النوع من هذا الشيء وهو دم شديد الحمرة جامد غليظ ، جمع علقة ، وكذا الطين الي يعلق باليد يسمى علقًا ، وهم مقرّون بخلق الآدمي من الأمرين كليهما ، فالآية من أدلة إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه على استعمال المشترك في معنييه ، ولعله عبر به ليعم الطين فيكون - مع ما فيه من الإشارة إلى بديع الصنعة - إشارة إلى حرمة أكل ما هو أصلنا من الدم والتراب قبل أن يستحيل ، فإذا استحال وصف بالحلال لأن الاستحالات لها مدخل في الإحلالات في النكاح وغيره ، واحمرار النطفة ليس استحالة لأنها كانت حمراء قبل قصر الشهوة لها ، وربما ضعفت الشهوة عن قصرها فنزلت حمراء ، فإذا تحول الدم لحمًا صار إلى جنس ما يحل ، وكذا إذا تحول التراب بمخالطة الماء تمرًا أو حبًا حل .

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم )

77 ( ) فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين ( ) 7

[ التين: 7 - 8 ] وكان معنى ذلك: أيّ شيء حمل عل هذا بعد وضوح الأمر لك وبيانه وقد نزهه سبحانه وتعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك ، ولكن سبيل مثل هذا إذا ورد كسبيل قوله تعالى:

77 ( ) لئن أشركت ليحبطن عملك ( ) 7

[ الزمر: 65 ] وبابه ، وحكم هذا القبيل واضح في حق من تعدىة إليه الخطاب وقصد بالحقيقة به من أمته ( صلى الله عليه وسلم ) من حيث عدم عصمتهم وإمكان تطرق الشكوك والشبهة إليهم ، فتقدير الكلام: أيّ شيء يمكن فيه أن يحملكم على التوقف أو التكذيب بأمر الحساب ، وقد وضح لكم ما يرفع الريب ويزيل الإشكال ، ألم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين ؟ أفيليق به وهو العليم الخبير أن يجعل اختلاف أحوالكم في الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم ؟ أفيحسن أن يفعل ذلك عبثًا ؟ وقد قال تعالى:

77 ( ) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلًا ( ) 7

[ ص: 27 - ولكن قراءتنا - وما خلقنا السماء - لا بالجمع ( فلما قرر سبحانه العبيد على أنه أحكم الحاكمين مع ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت