صفحة رقم 538
رضي الله عنه لهما على وجه يشعر بذلك كما مضى إشارة إلى أن الآخر يكون أوضح من الأول ، ومن غرب ذلك أن السورتين اللتين قبل سورتي المناظرة بين أمريهما طباق ، فالأولى في الآخرة وهي الفيل أكرم الله فيها قريشًا بإهلاك أهل الإنجيل ، والأولى في الأول وهي الأنفال أكرمهم الله فيها بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم ، فكان ذلك سببًا لكسر شوكتهم وسقوط نختهم المفضي إلى سعادتهم ، وعلم أن البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأول بالإرسال والناس لهم تبع كما أن جميع الرسل تبع للرسول الفاتح الخاتم الذي شرفوا بإرساله إليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان عدد التسع مشيرًا إلى أن قريشًا أهل لأن يتصلوا بعروج الأسرار في الملوكت إلى الفلك التاسع ، وهو العرش الذي هو مقلوب الشرع ، فهم يصعدون بأسرار الشرع - التي من أعظمها الصلاة - من الأسفل إلى الأعلى من الطرفين معًا كما أنه يتنزل عليهم بالبركات من الجانبين ، وإذا ضممت التسع الأولى إلى الأخرى كانت ثمان عشرة ، فكانت مشيرة إلى ركعات الصلوات مضمومًا إليها الوتر ، وإلى ظهور الدين ظهورًا كاملًا على غالب أقطار الأرض كما كان في سنة ثمان وعشرين ، وهي الثامنة عشر من موت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك في أثناء خلافة عثمان رضي الله عنه فإنه كان فيها قد تمزق ملك كسرى وضعف جدًا ، وكذا ملك الروم مع ما كان من زوال أمر القبط بالكلية ، ومن بديع الإشارات أيضًا أنك إذا نظرت إلى نزول براءة وجدته سنة تسع من الهجرة في غزوة تبوك وعقب الرجوع منها ، فكان كونها تاسعة ونزولها في السنة التاسعة مشيرًا إلى كون الدين يظهر على كل مخالف بعد تسع سنين ، وهي السنة الثامنة من موت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في وسط خلافة الفاروق حين ظهر المسلمون على الفرس والروم ، فقتلوا رجالهم ، وانتثلوا أموالهم ، كما كان قد ظهر عند نزولها على عباد الأوثان من العرب ، ومن الغريب أن قصة الفيل كانت سنة مولد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فهي قبل النبة بأربعين سنة بعدد كلمات السورتين: الفيل وقريش ، فإن الفيل ثلاث وعشرون وقريش سبع عشرة ، وذلك - والله أعلم - إشارة إلى أن ابتداء الأمن - بإهلاكهم والإشباع بنهب ما كان معهم من أموالهم ومتاعهم - كان لمولده ( صلى الله عليه وسلم ) وتشريف الوجود بوجوده ، ويكون ذلك ظاهرًا كما كان السبب - الذي هو وجوده ( صلى الله عليه وسلم ) - ظاهرًا ، وإلى أن وسطه يكون بنبوته ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويكون ذلك باطانًا كما أن السبب - وهو الوحي باطن ، ثم كان أمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في السنة الثامنة الموازية لعدد كلمات البسملتين على يد النجاشي ملك الحبشة الذي كان الأمن أولًا بإهلاكهم ، وإذا ضممت إليها أحد عشر ضميرًا - سبعة في الفيل وأربعة في قريش - كانت تسعًا وخمسين توازيها إذا حسبت من المولد سنة ست من