فهرس الكتاب

الصفحة 4976 من 4996

صفحة رقم 604

كلهم مربوبون مقهورون لا نجاة لهم في شيء من الضرر إلا بعصمته سبحانه وتعالى ، فعلى كل منهم أن يفزع أول ما تصيبه المصيبة إلى مولاه القادر على كشفها تصحيحًا لتوكله فإنه يرتقي بذلك إلى حال الرضا بمر القضاء ، ولا يأخذ في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله وقوته فإنه يشتد أسفه ولا يرد ذلك عنه شيئًا: ( أعوذ ) أي أستجير وألتجئ وأعتصم وأحترز .

ولما كان هذا المعنى أليق شيء بصفة الربوبية لأن الإعاذة من المضار أعظم تربية قال: ( برب الفلق ) أي الذي يربيه وينشئ منه ما يريد ، وهو الشيء المفلق بإيجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة الأرض والجبال ، وكالأمطار التي فلقت بها ظلمة الجو والسحاب ، وكالنبات الذي فلقت به ظلمة الصعيد ، وكالأولاد التي فلقت بها ظلمة الأحشاء ، وكالصبح الذي فلقت به ظلمة الليل ، وما كان من الوحشة إلى ما حصل من ذلك من الطمأنينة والسكون والأنس والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات ، قال الملوي: والفلق - بالسكون والأنس والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات ، الكائنات جميعها - انتهى .

وخص في العرف بالصبح فقيل: فلق الصبح ، ومنه قوله تعالى:

77 ( ) فالق الاصباح ( ) 7

[ الأنعام: 96 ] لأنه ظاهر في تغير الحال ومحاطاة يوم القيامة الذي هو أعظم فلق يشق ظلمة الفنا والهلاك بالبعث والإحياء ، فإن القادر على ما قبله بما نشاهده قادر عليه ، لأنه لا فرق ، بل البعث أهون في عوائد الناس لأنه إعادة ، كذا سائر الممكنات ، ومن قدر على ذلك قدر على إعاذة المستعيذ من كل ما يخافه ويخشاه .

ولما كانت الأشياء قسمين: عالم الخلق ، وعالم الأمر ، وكان عالم الأمر خيرًا كله ، فكان الشر منحصرًا في عالم الخلق خاصة بالاستعاذة فقال تعالى معممًا فيها: ( من شر ما خلق ) أي من كل شيء سوى الله تعالى عز وجل وصفاته ، والشر تارة يكون اختياريًا من العاقل الداخل تحت مدلول ( لا ) وغيره من سائر الحيوان كالكفر والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات السموم ، وتارة طبيعيًا كإحراق النار وإهلاك السموم .

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قد أشير ، أي في الكلام على ارتباط الإخلاص - إلى وجه ارتباطها آنفًا ، وذلك واضح إن شاء الله تعالى - انتهى .

ولما كان عطف الخاص على العام يعرف بأن ذلك الخاص أولى أفراد العام بما ذكر له من الحكم ، وكان شر الأشياء الظلام ، لإإنه أصل كل فساد ، وكانت شرارته مع ذلك وشرارة السحر والحسد خفية ، خصها بالذكر من بين ما عمه الخلق لأن الخفي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان فيكون أضر .

ولذا قيل: شر العداة المداجي ، وكانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت