فهرس الكتاب
صفحة رقم 613
ولما كان الملك قد لا يكون إلهًا ، وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركًا أصلًا بخلاف غيرها ، أنهي الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال: ( إله الناس ( إشارة إلى أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد ، فكذلك هو واحده إلههم لا يشركه في إلهيته أحد ، وهذه دائمًا طريقة القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بتوحيدهم له في الربوبية والملك على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة ، فمن كان ربهم وملكهم فهم جديرون بأن لا يتألهوا سواه ولا يستعيذوا بغيره كما أن أحدهم إذا دهمه أمر استعاذ بوليه من أبناء جنسه واستغاث به ، والإله من ظهر بلطيف صنائعه التي أفادها مفهوم الرب والملك في قلوب العباد فأحبوه واستأنسوا به ولجؤوا إليه في جميع أمورهم ، وبطن احتجابًا بكبريائه عن أن يحاط به أو بصفة من صفاته أو شيء من أمره ، فهابته العباد ودعاهم الحب إلى الوله شوقًا إلى لقائه ، وزجرتهم الهيبة فجزعوا خوفًا من طرده لهم عن فنائه ، وكرر الاسم الظاهر دون أن يضمر فيقول مثلًا: ( ملكهم( ) إلههم ( تحقيقًا لهذا المعنى وتقوية له بإعادة اسمهم الدال على شدة الاضطراب المقتضي للحاجة عند كل اسم من أسمائه الدال على الكامل المقتضي للغنى المطلق ، ودلالة على أنه حقيق بالإعادة قادر عليها لبيان أنه المتصرف فيهم من جميع الجهات وبيانًا لشرف الإنسان ومزيد الاعتماد بمزيد البيان ، ولئلا يظن أن شيئًا من هذه الأسماء يتقيد بما أضيف غليه الذي قبله من ذلك الوجه ، لأن الضمير إذا أعيد كان المراد به عين ما عاد إليه ، فأشير بالإظهار إلى أن كل صفة منها عامة غير مقيدة بشيء أصلًا ، واندرج في هذه الاستعاذة جميع وجوه الاستعاذات من جميع وجوه التربية وجميع الوجوه المنسوبة إلى المستعيذ من جهة أنه في قهر الملك بالضم ، وجيمع الوجوه المنسوبة إلى الإلهية لئلا يقع خلل في وجه من تلك الوجوه تنزيلًا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات إشعارًا بعظم الآفة المستعاذ منها ، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة ، والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات الواقعة على ذات واحدة حتى كأنها صفة واحدة ، وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب على حد سواء ، فلا فعل لأحد إلا وهو خلقه سبحانه وتعالى وهو الباعث عليه ، وأخر الإلهية لخصوصها لأن من لم يتقيد بأوامره ونواهيه فقد أخرج نفسه من أن يجعله إلهه وإن كان في الحقيقة لا إله سواه ، ووسط صفة الملك لأن الملك هو المتصرف بالأمر والنهي ، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم فملكه من كمال ربوبيته ، وكونه إلههم الحق من كمال ملكه ، فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه ، وملكه يستلزم إلهيته وتقتضيها ، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان ، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى ، فإن الرب هو القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة التي هي معنى الربوبية عليه من أوصاف الجمال ،