فهرس الكتاب
صفحة رقم 521
وتكريمه بقوله مستأنفًا: ( كذلك ) أي مثل هذا البيان ) يبين الله ) أي الذي له الكمال كله ) لكم الآيات ) أي كلها ) لعلكم تتفكرون ) أي ليكون حالكم حال من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر ، ومن يكون كذلك ينتفع بفكره .
وقال الحرالي: فتبنون الأمور على تثبيت ، لا خير في عبادة إلا بتفكر ، كما أن الباني لا بد أن يفكر في بنائه ، كما قال الحكيم: أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة ، كذلك من حق أعمال الدين أن لا تقع إلا بفكرة في إصلاح أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة ، فكانوا في ذلك صنفين بما يشعر به ) لعلكم ( مطابقين للمثل متفكر مضاعف حرثه وجنته وعامل بغير فكرة تستهويه أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى .
ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه فقال: ( يا أيها الذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان ) أنفقوا ) أي تصديقًا لإيمانكم ) من طيبات ما كسبتم ( وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه أعم نفعًا ، ولما ذكر ما أباحه سبحانه وتعالى من أرباح التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبهًا بذلك على أن كل ما يتقلب العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ترغيبًا في الجود به وفي جعله خيارًا حلالًا وترهيبًا من الشح به وجعله دينًا أو حرامًا فقال:( ومما أخرجنا ) أي بعظمتنا ) لكم ( نعمة منا عليكم ) من الأرض ( قال الحرالي: قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى .
ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال: ( ولا تيمموا ) أي لا تتكلفوا أن تقصدوا ) الخبيث منه ) أي خاصة ) تنفقون ( قال الحرالي: الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر حس النفس: ظاهره وباطنه ، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط إليه ظاهرًا وباطنًا ، وقال: ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى .
ثم أوضح قباحة ذلك بقوله: ( ولستم بآخذيه ) أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه ) إلا أن تغمضوا ) أي تسامحوا ) فيه ( بالحياء مع الكراهة .
قال الحرالي: من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل ، أصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع ، وقال: ولما كان الآخذ هو الله سبحانه وتعالى ختم بقوله: ( واعلموا ( انتهى .
وعبر بالاسم الأعظم فقال: ( أن الله( المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال ) غني ( يفضل على من أسلف خيرًا رغبة فيما عنده