فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 4996

صفحة رقم 36

فأرشد هذا الخطاب اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض عنه بأن يكون في يده ، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث يشغله عن الخير ، بل يجعل عونًا على الطاعة وأنه منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء الأول إلى ا عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله .

ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب الإعراض عن هذا العرض فكان السامع جديرًا بأن يقول فعلًا أقبل ؟ أمر سبحانه وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم لديه بجوابه لتكون البشارة داعية إلى حبه فقال: ( قل ) أي لمن فيه قابلية الإقبال إلينا ، ولما أجرى سبحانه وتعالى هذه البشارة على لسان نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) لتقوم الحجة على العباد بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه لا يدعو إلى شيء إلا كان أول فاعل له ، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له ، لإيثاره الغائب المسموع من بناء الآخرة على العاجل المشهود من أثر الدنيا كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) لعمر رضي الله عنه حين أشفق عليه من تأثير رمال السرير في جنبه فذكر ما فيه فارس والروم من النعيم: ( أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ) شوق إليها بالاستفهام في قوله: ( أؤنبئكم بخير من ذلكم ) أي الذي ذكر من الشهوات ، وعظمه بأداة البعد وميم الجمع لعظمته عندهم والزيادة في التعظيم ما يرشد إليه ، ثم استأنف بيان هذا الخير بقوله: ( للذين اتقوا ) أي اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم اتصافهم بها أن أعرضوا عن هذه الشهوات من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات واقية لهم من عذاب ربهم ، فتلذذوا بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من الجانبين واتبغاء ما كتب لهم من الولد إنفاذًا لمراد ربهم من تكثير خلائفهم في الأرض للإصلاح ، ولقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) ونحو ذلكن وفرحوا بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم وحملهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت