فهرس الكتاب

الصفحة 750 من 4996

صفحة رقم 197

)لآيات ) أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق ، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله: ( لأولي الألباب ( وذكر سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة ، لأن السالك يفقتر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة .

فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك ، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة ، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأناه أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع ، وختم تلك بما هو لأول السلوك: العقل ، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين .

ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتخم بما بين من يعتد بقعله فقال: ( الذين يذكرون الله ) أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك ، وله جميع أوصاف الكمال .

ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر ، وله جميع التفصيل نفيًا لاحتمال التجوز ودفعًا لدعوى العذر فقال: ( قيامًا وقعودًا ( ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال:( وعلى جنوبهم ) أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم ، فهم في غاية المراقبة .

ولما بدأ من أوصافهم بما يحلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة الغضب وقهرها وضعف داعية الهوى ، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال: ( ويتفكرون ) أي على الأحوال .

ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس ، وكانت آيات الآفاق أعظم

77 ( ) لخلق السموات والأرض اكبر من خلق الناس ( ) 7

[ غافر: 57 ] .

قال: ( في خلق السموات والأرض ( على كبرهما واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار دارًا يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور ، فيقولون تضرعًا إليه وإقبالًا عليه:( ربنا ) أي أيها المحسن إلينا ) ما خلقت هذا ) أي الخلق العظيم المحكم ) باطلًا ) أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل فيها على ما شرعت القضايا ، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا ، بل إنما خلقته لأجل دار أخرى ، يكون فيها محض العدل ، ويظهر فيها الفصل .

ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصًا ظاهرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت