فهرس الكتاب
صفحة رقم 246
نصيب النساء والصغار من الإرث ، وبعضل بعض النساء وغير ذلك مما تقدم النهي عنه وغيره .
ولما نهى عن الأكل بالباطل ، واستدر ما ليس كذلك فقال: ( إلا أن تكون ) أي المعاملة المدارة المتداولة بينكم ) تجارة ( هذا في قراءة الكوفيين بالنصب ، وعلى قراءة غيرهم: إلا أن توجد تجارة كائنة ) عن تراض منكم ) أي غير منهي عنه من الشارع ، ولعل الإتيان بأداة الاستثناء المتصل - والمعنى على المنقطع - للإشارة إلى أن تصرفات الدنيا كلها جديرة بأن يجري عليها اسم الباطل ولو لم يكن إلا معنيًا بها تزهيدًا فيها وصدًّا عن الاستكثار منها ، وترغيبًا فيما يدوم نفعه ببقائه ، وهكذا كل استثناء منقطع في القرآن ، من تأمله حق التأمل وجد للعدول عن الحرف الموضوع له - ( وهو لكن ) - إلى صورة الاستثناء حكمة بالغة - والله الموفق .
ولما كان المال عديل الروح ونهى عن إتلافه بالباطل ، نهى عن إتلاف النفس ، لكون أكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الأموال وما كان بسببها وتسبيبها على أن من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها القتل ، فكان النهي عن ذلك أنسب شيء لما بنيت عليه السورة من التعاطف والتواصل فقال تعالى: ( ولا تقتلوا أنفسكم ) أي حقيقة بأن يباشر الإنسان قتل نفسه ، أو مجازًا بأن يقتل بعضكم بعضًا ، فإن الأنفس واحدة ، وذلك أيضًا يؤدي إلى قتل نفس القاتل ، فلا تغفلوا عن حظ أنفسكم من الشكر فمن غفل عن حظها فكأنما مثلها ، ثم علله بما يلين أقسى الناس فقال: ( إن الله ) أي مع ما له من صفات العظمة التي لا تدانيها عظمة ) كان بكم ) أي خاصة حيث خفف عليكم ما شدده على من كان قبلكم ) رحيمًا ) أي بليغ الرحمة حيث يسر لكم الطاعة ووفقكم لها فأبلغ سبحانه الترغيب في الامتثال ؛ ثم قال ترهيبًا من مواقعة الضلال: ( ومن يفعل ذلك ) أي المنهي عنه من القتل وغيره العظيم الإبعاد عن حضرات الإله ) عدوانًا وظلمًا ) أي بغير حق ، وعطفه للوصف بالواو يدل على تناهي كل منهما ، هذا مع ما أفهمه صفة الفعلان من المبالغة ، فكان المراد العدو الشديد المفرط المتجاوز للحدود الناشيء عن العهد وتناهي الظلم الذي لا شائبة فيه للحق ) فسوف نصليه نارًا ) أي ندخله إياها بوعيد لا خلف فيه وإن طال إمهاله ) وكان ذلك ( ي الأمر العظيم الذي توعد به ) على الله ) أي الذي له الجلال والجمال ) يسيرًا ) أي لأنه لا ينقصه من مكله شيئًا ، ولا يمنع منه مانع .
ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيرًا ، وكان قد تقدم جملة من الكبائر ، أتبعه ما للمنتهي تبشيرًا جوابًا لمن كأنه قال: هذا للفاعل فما للمجتنب ؟ فقال على وجه عام: ( إن تجتنبوا ) أي تجهدوا أنفسكم بالقصد الصالح في أن تتركوا تركًا عظيمًا وتباعدوا