صفحة رقم 369
إنما يتوقف على ثبوت الدليل ، فإذا تم الدليل كانت المطالببة بدليل آخر طلبًا للزيادة وإظهارًا للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قِبَل الله تعالى قال: ( والنبيِّين من بعده ) أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم وطهارة الأوصاف ، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة ، مع أن هذا الكتاب أبلغ ، والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع ، فهم إليه أميل ، وله أقبل ، وأما المبطوع على قلوبهم ، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة الحجاب ، حتى أنها لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء ، فهم غير قابلين لنور العلم المتهيىء للإيمان ، فأسرعوا إلى الكفر ، وبادروا بالذل والصغار ، وفي الآخرة بالسخط والنار .
ولما أجلم تعالى ذكر النبيين فصّل فقال منبهًا على شرف من ذكرهم وشهرتهم: ( وأوحينا إلى إبراهيم ) أي أبيكم وأبيهم كذلك ) وإسماعيل ) أي ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم ) وإسحاق ( وهو ابنه الثاني وأبوهم ) ويعقوب ) أي ابن إسحاق ) والأسباط ) أي أولاد يعقوب .
ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل مَنْ قبلهم فصّل من بعدهم فقال: ( وعيسى ) أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب ) وأيوب ( وهو من ذرية عيصو بن إسحاق على ما ذكروا ) ويونس وهارون وسليمان ( ولما كان المقام للتعظيم بالوحي ، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب قال:( وآتينا داود زبورًا ) أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا مكتوبًا من السماء .
ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة ، وكان فيهم رسل ، وكان ربما قال متعنت: إن شأن الرسل غير شأن الأنيباء في الوحي ، قال عاطفاَ على ما تقديره من معنى ( أوحينا ) : أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم عليك هنا إلى من شئنا من الناس: ( ورسلًا ) أي غير هؤلاء ) قد قصصناهم ) أي تلونا ذكرهم ) عليك ( ولما كان القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال:( من قبل ) أي من قبل إنزال هذه الآية ) ورسلًا تكليمًا ) أي على التدريج شيئًا فشيئًا بحسب المصالح من غير واسطة ملك ، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة ، والمعنى أنكم لو كنتم إنما