ـ فالمطلقة قد تكون في بلد دون بلد، كما هي في غير ديار المسلمين، وقد تكون في بعض المنظمات و الأحزاب دون بعض و إن كانت في ديار المسلمين و قد تكون في بعض الأشخاص دون بعض، كالرجل قبل أن يسلم و إن كان في دار الإسلام.
ـ و المقيدة قد تكون في بعض ديار المسلمين و في كثير من الأشخاص المسلمين، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم و النياحة» [1] ، فهذه كلها جاهلية، و هي من المعاصي التي لا يكفر صاحبها، و على هذا لا يصح مطلقًا أن يوصف المجتمع المسلم بأنه جاهلي، بخلاف الأنظمة و الأوضاع و الأفراد فإنه يمكن إطلاق لفظ الجاهلية على الفرد إن وقع في فعل جاهلي و على الأنظمة إن حكمت و تحاكمت إلى النظم الجاهلية و على الأوضاع المصطبغة بصبغة جاهلية.
جاهلية العلمانية
إن التحديات الخطيرة ـ إن لم تكن أخطر هذه التحديات على الإطلاق ـ التي تواجه أهل السنة والجماعة في هذا العصر هِي إسقاط اللافتات الزائفة و كشف المقولات الغامضة و فضح الشعارات الملبسة، التي تتخفى وراءها العلمانية الجاهلية التي تبث سمومها في عقول و قلوب أبناء هذه الأمة.
و لفضح جاهلية العلمانية و مواجهتها لابد أولًا أن يصل أمر المواجهة إلى المستوى المطلوب من الوضوح في نفوسنا فإنه بدون هذا الوضوح سنعجز ـ و يعجز علماؤنا ـ عن أداء الواجب في هذه الفترة الحرجة، وسنتأرجح أمام الحكومات العلمانية الجاهلية و سيفقد أهل السنة و الجماعة أهدافهم الحقيقية بفقدانهم لتحديد نقطة البدء في مواجهة جاهلية العلمانية من حيث تقف هذه الجاهلية فعلًا، لا من حيث تزعم، و المسافة بعيدة بين الزعم و الواقع. إن الغياب المذهل لحقائق الإسلام من العقول و القلوب، و الغبش الكثيف الذي أنتجته الأفكار المنحرفة؛ هذا و ذاك هما اللذان يجعلان كثيرًا من الناس يثيرون شبهات متهافتة لم تكن لتستحق أدنى نظر لولا هذا الواقع المؤلم. فمن هذه الشبهات: استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الجاهلية على من أطلقها الله تعالى عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد، بذريعة أن هذه الأنظمة ـ لا سيما العلمانية الديمقراطية ـ لا تنكر وجود الله، وبذريعة أن هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية لا تمانع في إقامة شعائر التعبد، وبحجة أن بعض أفراد الأنظمة العلمانية الديمقراطية يتلفظون بالشهادة، و يقيمون الشعائر من صلاة و صيام و حج وصدقة، و يحترمون من يسمونهم برجال الدين (!) ، و يحترمون المؤسسات الدينية ... الخ، و في ظل هذه الشبهات المتهافتة المردودة يستصعب بعض الناس القول بأن الأنظمة العلمانية الديمقراطية أنظمة جاهلية.
فلا بد من توضيح للحقائق وتحديد للمفاهيم: هل تحمَّل الرسول - صلى الله عليه وسلم - و أصحابه العنت و المشقة والحرب و الجهاد ثلاثًا و عشرين سنة متوالية؟ و هل نزل القرآن الكريم موجهًا و آمرًا وناهيًا طوال هذه السنين من أجل أن يقول الجاهليون باللسان فقط .. لا إله إلا الله، و يقيموا الشعائر التي يمنُّ دعاة العلمانية على الله أنهم يسمحون بها؟!! و ما الفرق بين قول قريش:"يا محمد: اعبد آلهتنا سنة، و نعبد إلهك سنة"، وبين قول العلمانيين ـ لفظًا أو حالًا ـ: نعبد الله في المسجد، و نطيع غيره في المجالس التشريعية و البرلمان و في القضاء و التجارة و السياسة؟
أهو شيء آخر أم أن قسمة أولئك زمنية فقط، وقسمة هؤلاء مكانية أو موضوعية؟
يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [2] (ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكم، المشتمل على كل خيرٍ، الناهي عن كل شر، و عدل إلى ما سواه من الآراء و الأهواء و الاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات و الجهالات مما يضعونها بآرائهم و أهوائهم ... ) اهـ
(1) رواه مسلم: كتاب الجنائز باب التشديد في النياحة
(2) المائدة: 50