الصفحة 24 من 95

و لقد تبلورت مقالات العلمانيين وأفكارهم التي تعبر في جوهرها عن حقيقة الجاهلية، و لكنها و بخبث شديد و تدبير محكم تحاول أن تنتسب إلى الدين بتبجحٍ غريب و مكرٍ وضيع، و ذلك حتى لا ينفر من هذه الأفكار جمهور المسلمين، فهم يريدون أن تسري العلمانية ببطء في عقول و نفوس جمهور المسلمين سريان السم البطيء الذي يودي بحياة صاحبه دون أن يتنبه له جسده.

و العلمانية الديمقراطية تجعل العقيدة و الشعائر لله وفق أمره، و تجعل الشريعة و التعامل لغير الله وفق أمر غيره .. وهذا هو الشرك في حقيقته و أصله. لأن الدارس لعقائد الجاهلية العربية يجد ـ من أول وهلة ـ أنها لم تكن تنكر وجود الله أبدًا، بل كانت توحده في معظم أفعاله تعالى، كالخلق و الرزق و التدبير و الإحياء و الإماتة {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [1] . و كانوا يقرون بمشيئة الله النافذة في الكون و قدره الذي لا يرد وأنه يدبر الأمر، ... و كانوا يؤمنون بالملائكة و كان منهم من يؤمن بالبعث و الحساب وكذلك كان لدى الجاهليين العرب بعض الشعائر التعبدية، منها: تعظيم البيت الحرام، وطوافهم حوله، و وقوفهم بعرفات، و تعظيم الأشهر الحرام، و كذلك ذبحهم و نذرهم لله، لكنهم ومنذ اللحظة الأولى حين دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى شهادة (أن لا إله إلا الله) ، كان الجواب الفوري: {أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [2] ، فالقضية واضحة في أذهانهم: إن الإلتزام بهذه الكلمة معناه الرفض الجازم والتخلي الكامل عن كل ماعدا الله من معبوداتهم و طواغيتهم المختلفة، طاغوت الأوثان و طاغوت الزعامة و طاغوت القبيلة ... و طاغوت الكهانة وطاغوت التقاليد .. الخ، والاستسلام الكامل لله ورد الأمر كله، جليله و حقيره و كبيره و صغيره .. إلى الله تعالى وحده لا شريك له.

لقد تغيرت و لاشك بعض مظاهر العبادة فلم يعد هناك تلك"الإناث"التي كان العرب في شركهم يعبدونها، {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا} [3] .

و لكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، و حلت محل الإناث القديمة أوثان أخرى، كالعلمانية و الديمقراطية و الحداثة والوطنية والحزبية و الاشتراكية و الشيوعية و الشرعية الدولية و الحرية الشخصية و الإباحية ... الخ. عشرات من الإناث الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية، تُضفى عليها القداسات الزائفة، و تُعبد من دون الله، و يُطاع أمرها في مخالفة الله و في تغيير خلق الله، و ما تغيرت إلا مظاهر العبادة"تطورت"!! ولكن الجوهر لم يتغير، إنه عبادة الشيطان إنها جاهلية و ظلمات بعضها فوق بعض.

وادعى المجلس العلمي أن أتباع السلفية الجهادية يُدخلون كل المجتمعات سواء كانت عربية أو اتسمت بالإسلامية في المجتمعات الجاهلية عند فقدها لشرط الحاكمية إقرارًا و تطبيقًا، وهذه فرية عظيمة تضاف إلى أخواتها من الفرى تُسجَّل على المجلس العلمي يحاسبون عليها يوم الفصل يوم العرض على الله.

وسيظهر لكل ذي بصر فضلًا عن ذي بصيرة أن هذا بهتان وافتراء ننوء بمن تَحمَّل أمانة العلم وادعى الرسوخ والإحاطة أن يقع في هذا المطب العظيم.

إذ كيف يُحكم على المسلمين بالكفر لأنه انتفى الحكم في بلدانهم بشرع الله الذي هو الإسلام؟ و لنفي هذا الإفتراء نُُقرِّر ما قرره علماؤنا وسلفنا الكرام أن الحكم على المتسلط على الدار بالكفر لا يستلزم لحوق نفس الحكم على السكان الذين تحت قهر هذا الحاكم، كيف و الأمة شهدت مثل هذا: لما تسلط التتار على الشام و كانوا كفارًا لم يحكم أحد على أهل الشام بالكفر. وكذلك لما تسلط الباطنية الروافض على مصر حتى كتب ابن الجوزي (النصر على مصر) لم يخرج عالم واحد و كفَّر أهل مصر تبعًا لكفر حكام مصر.

(1) لقمان:25

(2) ص: 5

(3) النساء: 117

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت