ولاية الحاكم المعطل لشريعة الله، المعرض عن إقامة ما فوضته الأمة في إنجازه، فضلًا عما انضم إلى ذلك من ورطات الخيانة، و ممالأة أعداء الأمة ضد الأمة، و تقديم موالاة أهل الشرك على موالاة أهل الإسلام ... نعم .. قد نُهيَت الأمة عن منازعة ولاة الأمر ما وُلوا فيه، كما في حديث عبادة بن الصامت: « ... و أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» ، فدل الحديث على أن المنازعة تشرع إذا تولى الأمر غيرُ أهله، و كذا إذا طرأ على المتولي ما يخرجه عن أهلية الولاية الشرعية، وهو - هنا - الكفر، فقال: «إلا أن تروا كفرا» ، و فرق بين الكفر و الكافر، فوقوع الكفر لا يقتضي التكفير بالضرورة، والتزامنا ـ بنص الحديث ـ هو بقيام برهان على وقوع الكفر، سواء كفر فاعله أو لم يكفر، هذا مع افتراض وجود بيعة شرعية أصلًا، و هو ما لا نسلم به، فإن عورضنا بجواز إمامة المتغلب، قلنا: وإنما يشترط في المتغلب ـ كي يُقرَّ له بالإمامة ـ أن يقيم في الأمة كتاب الله، و قد تقدم ذكر طرف من أدلة لزوم هذا الشرط، و هو شرط في الإبتداء، و شرط في الاستدامة جميعًا.
و للإجماع المنعقد على وجوب عزل الحاكم عند تغييره الشرع، كما نقله النووي عن القاضي عياض؛ فقال: (فلو طرأ عليه كفر و تغيير للشرع أو بدعة خرج من الولاية و سقطت طاعته ... ) إلى آخر كلامه رحمه الله.
2 -الحاكم المسلم العدل.
ما تقدم من كلام و تفصيل هو خاص بالحاكم الكافر ذي الكفر البواح .. أما الحديث عن الحاكم المسلم العدل و كيفية التعامل معه فهي صورة أخرى تختلف اختلافًا كليًا عما تقدم ذكره و بيانه، و عليه فنقول: الحاكم المسلم العدل هو الحاكم الذي يحكم البلاد و العباد التي يسترعيه الله أمرها ـ في جميع شؤون و مناحي الحياة ـ بالإسلام .. و بشرائع الإسلام .. ويكون على مستوى الإلتزام الشخصي مقيمًا لواجبات و أركان الدين، و مجتنبًا لكبائر الإثم و الذنوب.
فالحاكم الذي هذه هي صفته، و هذا هو حاله تجب طاعته بالمعروف .. في المنشط والمكره .. و تجب مناصرته، ومؤازرته، و مناصحته، ظاهرًا و باطنًا .. كما يجب توقيره و احترامه .. و الدفاع عنه .. و التماس الرفق في نصحه ما وجد إلى ذلك سبيلًا .. كما يحرم غشه، أو الغدر به، أو التشهير به .. أو التعرض له و لنظامه بسوء القول أو بشيء مما يشين. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلا} [1]
و قوله: {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} هم ـ على الراجح من أقوال المفسرين ـ العلماء والأمراء.
و قوله: {منكم} يفيد حصر الطاعة للأمراء الذين هم منكم، أي من أهل دينكم، و ملتكم، و عقيدتكم .. و من كان غير ذلك فهو ليس {منكم} و لا تجب عليكم طاعته.
و في الحديث فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أُمّر عليكم عبد مجدَّع ـ أي مقطوع الأطراف ـ يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا» [2] .
فإن قيل: هل طاعة الإمام أو الحاكم المسلم طاعة مطلقة أم أنها طاعة مقيدة .. ؟
الجواب على ذلك: أنها طاعة مقيدة بالمعروف، و بما فيه طاعة لله تعالى، و طاعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإن أمر بمعصية أو باطل فلا طاعة له. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره، ما لم يؤمر بمعصيةٍ، فإذا أُمر بمعصيةٍ فلا سمع و لا طاعة» [3]
(1) النساء: 59
(2) رواه مسلم.
(3) متفق عليه.