و هذا بخلاف جميع الأنظمة الوضعية الحاكمة في الأرض .. الديكتاتورية و الديمقراطية سواء .. لأن جميع الأنظمة الأرضية تلزم الناس بطاعة الحاكم المشرع و ما يصدر عنه من قوانين و تشريعات، بغض النظر عن موافقته للحق أو مخالفته ..
3 -الحاكم المسلم الفاسق.
الحاكم المسلم الفاسق: هو الحاكم الذي يحكم بالإسلام و شرائعه .. و يختلف عن الحاكم المسلم العدل أنه تظهر منه بعض المخالفات الشرعية على مستوى السلوك الشخصي أو العام التي تدخله في دائرة الفسوق الذي هو دون الكفر الأكبر.
و الأصل في الحاكم الفاسق أن لا يولى طواعية و اختيارًا له من قبل الأمة، لقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [1] .
قال القرطبي في التفسير: (قال ابن عباس: سأل إبراهيم - عليه السلام - أن يُجعل من ذريته إمام، فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي فقال: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ) [2] .
قال القرطبي: (استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل و الإحسان و الفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا ينازعوا الأمر أهله، فأما أهل الفسوق و الجور و الظلم فليسوا له بأهل لقوله تعالى: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} . و قال: لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق .. ) [3] اهـ.
و لكن لو تغلب وقهر الأمة على الحكم و الولاية، أو طرأ عليه الفسوق بعد أن ولي من قبل الأمة هل يُنازع من قبل الأمة و يُخرج عليه بقوة السيف .. ؟
نقول: الراجح أنه لا يُنازع على الولاية و الحكم، درءًا لحصول المفاسد و الأضرار المترتبة على الخروج و التي هي أشد وأعلى من الصبر عليه مع ما يُظهر من فسوق أو مخالفات .. هذا ما دلت عليه نصوص الشريعة، و استقرت عليه عقيدة أهل السنة و الجماعة. عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتةً جاهليةً» [4] .
و لقد حاول (المجلس العلمي) إيهام القارئ أن أتباع التيار الجهادي المبارك قد شابهوا الفلاسفة و الأخلاقيين الذين تأثروا بعلوم اليونان و فلاسفتهم و بخاصة"فلسفة أرسطو"و"أفلاطون"و ما كتبه هذا الأخير عن مدينته الفاضلة، حيث كان يعتبر ـ من تأثر بأفلاطون ـ كالفرابي الدولة المثالية، تلك التي يشرف عليها زعيم يعرف ما هي السعادة الحق، لأن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى هدفه بدون هداية مثل ذلك الزعيم (الإمام أو الخليفة) فنحن و لله الحمد لم نقل بهذا و لم ندع إليه إنما نعتقد أن النظام السياسي الإسلامي قائم على ثلاثة أركان، دل عليها ثلاث آيات:
الأول: الحكم بالشريعة مصدر شرعية السلطة الأساسي: دل عليه قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [5] .
الثاني: العدل و الإحسان إلى الرعية بالرفق و اختيار الأصلح لهم في دينهم و دنياهم أساس الحكم: دل عليه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ... } [6] ، و في الحديث: «اللهم من ولي من أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه و من ولي من أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» .
الثالث: الشورى نظام الدولة: دل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [7] و لم يجعل الشورى بين الصلاة و الزكاة إلا لعظم شأنها.
(1) البقرة: 124
(2) تفسير القرطبي
(3) تفسير القرطبي
(4) متفق عليه
(5) المائدة: 49
(6) النحل: 90
(7) الشورى: 38