غير أن عدم تطبيق فكرة النظام السياسي الإسلامي كاملة في كل عصور الإسلام، لا يعيبها، فما من فكرة سياسية إلا و هي ناقصة التطبيق في الواقع، و معلوم أن شريعة الله كلها حق، مع وقوع تقصير العباد في تطبيقها في كل عصر، فهذا لا يؤثر في كمال الشريعة و صلاحيتها.
و كل بلدة أجريت فيها أحكام الإسلام و كان النفوذ فيها للمسلمين، فهي دار إسلام، و لا يجوز لأحد أن ينزع عنها هذا الإسم. و تاريخ دول المغرب منذ عهد الأدارسة ـ ما عدا الباطنيين كالعبيديين الذين أجمع علماء المالكية بالمغرب الإسلامي على كفرهم و قتالهم، و العلمانيين المعاصرين ـ لم يقل أحد من العلماء بعدم شرعيتها بل كانوا يعتبرونها نُظمًا إسلامية رغم خروجها عن دار الخلافة. و هذه كتب التاريخ تخبرنا أن الخلافة الأموية و العباسية و العثمانية ظهر فيها من البدع و الفجور ما الله به عليم.
و أما حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه: «تكون النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا ً جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» [1] ، و قال الألباني: (من البعيد حمل الحديث على عمر بن عبد العزيز لأن خلافته كانت قريبة العهد بالخلافة الراشدة، و لم يكن بعدها ملكان: ملك عاض و ملك جبري) .
و هذا الحديث من طريق أحمد رواه الحافظ العراقي في: (محجة القرب إلى محبة العرب) و قال هذا حديث صحيح، ... و إبراهيم بن داود الواسطي وثقه أبو داود الطيالسي و ابن حبان و باقي رجاله محتج بهم في الصحيح، يعني صحيح مسلم، و فيه حبيب بن سالم، قال البخاري: فيه نظر، و قال ابن عدي ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يروى عنه.
الخاتمة
إن النصوص ذات العلاقة بالولاة و ما يجب لهم، و ما يجب عليهم .. و كيف يُعامل كل صنف منهم .. هي كثيرة جدًا، ... و هي أكثر من أن تحصر في هذا المبحث الوجيز.
و إن الفقه والإنصاف يقتضيان من الباحث طالب الحق أن يُنزل كل نص في موضعه و منزله الذي أراده الشارع .. ويفسره على مراد الله و رسوله - صلى الله عليه وسلم - .. فلا يحمل ما قيل في الحاكم المسلم العدل على الحاكم الفاسق .. و لا يحمل ما قيل في الحاكم االكافر على ما يمكن أن يقال في الحاكم المسلم العدل أو الفاسق .. !
كما أن الذين يريدون أن يتصدوا للبحث أو الإفتاء في مسألة نظام الحكم في الإسلام .. لا بد لهم من أن يحيطوا بمجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة، و بأقوال أهل العلم فيها، و يعملوها جنبًا إلى جنب .. بعضها مع بعض .. من دون أن يضربوا النصوص بعضها مع بعض، أو يُعارضوا بعضها مع بعض .. أو يُظهروا ـ بسبب قصورهم وفهمهم الخاطئ ـ اضطراب النصوص و تناقضها .. كما هو ملاحظ عند كثير من الشيوخ و الباحثين المعاصرين الذين تصدوا للحديث ... و الإفتاء في هذه المسألة الهامة .. !
و أكثر الذين أخطأوا ووقعوا في الإفراط أو التفريط في هذه المسألة .. هو بسبب إعمالهم لنصوص دون نصوص .. وأخذهم بنصوص دون نصوص .. و علمهم ببعضها دون بعض .. فوقعوا فيما هم فيه من الغلو و الإفراط .. أو الجفاء والتفريط .. و لا حول و لا قوة إلا بالله.
(1) رواه أحمد و صححه الألباني