ويقول ابن تيمية: (إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد و لا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا) [1] . و هذه الحالة تعرف بالنفير العام ...
ففي حالة تعين الجهاد لا إذن للزوج على زوجته بشروطه و لا للوالد على ولده و لا للدائن على مدينه، و عليه:
1 ـ فإن الإثم باق في رقاب المسلمين جميعًا ما دامت أي بقعة كانت إسلامية في يد الكفار.
2 _ فإن الإثم باق في رقاب المسلمين جميعًا ما دامت أسيرة أو أسير في سجون الكفار و المرتدين.
3 ـ يزداد الإثم طرديًا حسب القدرة و الإمكانية و الطاقة، فإثم العلماء و القادة والدعاة البارزين في مجتمعاتهم أشد من إثم الدهماء و العامة.
4 ـ إن إثم تقاعس جيلنا عن النفير في القضايا المعاصرة .. كأفغانستان وفلسطين و الشيشان و الفلبين و كشمير ولبنان وتشاد و أريتيريا ... أشد من إثم سقوط الأراضي الإسلامية السابقة و التي عاصرتها أجيال مضت.
مسألة الإستئذان في الجهاد ..
إذا داهم العدو أرض المسلمين يصبح الجهاد فرض عين كالصلاة و الصوم لا يسعهم تركه. و إذا أصبح الجهاد فرض عين كالصلاة والصوم عندها لا تستأذن لا أمًّا و لا أبًا و لا أميرًا ولا أخًا و لا شيخًا و لا مربيًا و لا دائنًا و لا أحدًا.
و هذه الفتوى للإمام أبو عبد الله سيدي العربي الفاسي رحمه الله، المالكي و تأمل قوله فيها:
و إليكم الفتوى بنصها:"أما المسألة الثالثة: فلا يتوقف وجوب الجهاد على وجود الإمام و على إذنه في الجملة، ومن المعلوم الواضح أن الجهاد مقصد بالنسبة إلى الإمامة التي هي وسيلة له، لكونه في الغالب العادة لا يحصل على الكمال إلا بها، فإذا أمكن حصوله دونها لم يبق معنى لتوقفه عليها، فكيف تترك المقاصد الممكنة لفقد الوسائل المعتادة، فلو كان الإمام موجودًا، طلب استئذانه، محافظة على انتظام الأمر و اجتماع الكلمة و لزوم الجماعة، و قد يعرض ما يرجح عدم استئذانه كخوف فوات فرصة لبعد الإمام، أو كونه غير عدل يخشى أن يغلبه هواه في تفويتها، فلو كان غير عدل ومنع من الجهاد لغير نظر لم يمتنع الجهاد إن أمن الضرر من جهته .. فلا يضيع الجهاد إن ضيعه الولاة، والنصوص المذهبية شاهدة لذلك كله."
قال إمامنا مالك رضي الله عنه: لله تعالى فروض في أرضه لا يسقطها، ولِيَها إمام أو لم يلها.
و قال ابن القاسم في سماع أبي زيد في قوم سكنوا قرب العدو فيخرجون إليه بغير إذن الإمام، فيغيرون عليه: و إن كانوا يطمعون في الفرصة وخشوا إن طلبوا ذلك من إمامهم منعهم، أو يبعد إذنه لهم حتى يفوتهم ما رجوا، ذلك واسع لهم.
و قال ابن وهب في سماع عبد الملك بن الحسن: وسئل عن قوم يدافعون العدو، هل لأحد أن يبارز بغير إذن الإمام؟ فقال: إن كان الإمام عدلًا لم يجز أن يبارز إلا بإذنه، و إن كان غير عدل فليبارز و ليقاتل بغير إذنه.
قال ابن رشد: (هذا كما قال، إن الإمام إذا كان غير عدل لم يلزم استئذانه في مبارزة ولا قتال، إذ قد ينهى عنه على غير وجه نظر) . و إلى هذا التفصيل ونحوه يرجع ما يوجد في هذه المسألة من نصوص المذهب.
و إن كان الجهاد يجوز دون إذن الإمام لما ذكر مع وجوده فكيف لا يجوز مع عدمه البتة.
و من الواضح أنه إن توقف على وجوده فإنما يتوقف عليه لأجل إذنه، و عليه فإن كان لا يتوقف على إذنه كان غير متوقف على وجوده.
نعم إقامة الإمام بشروطه، وجمع الكلمة عليه فرض واجب على الخلق، كما أن الجهاد فرض أيضًا، و القيام بهما معًا مطلوب على الوجوب، ولكن تضييع فرض واحد منهما أخف من تضييعهما معًا، و أما التوقف على الإمام للإمداد والرجال و المال
(1) الفتاوى الكبرى