والعدد فتوقف عادي لا شرعي. إذ لا يجب شرعًا أن لا يجاهد إلا بمال بيت المال، بل من قدر أن يجاهد بمال نفسه فهو أفضل له، وأعظم لأجره، و إن اتفق أن تجمع جماعة من المسلمين مالًا لذلك حصل المقصود أيضا.
و من المعلوم في الفقه أن جماعة المسلمين تتنزل منزلة السلطان إذا عدم، و عليه من الفروع ما لا يكاد يحصى، كمسألة من غاب زوجها و هي في بلد لا سلطان فيه، فإنها ترفع أمرها إلى عدل من صالحي جيرانها، فيكشف عن أمرها ويجتهد لها، ثم تعتد وتتزوج، لأن الجماعة في بلد لا سلطان فيه تقوم مقام السلطان، قاله القابسي، و أبو عمران الفاسي، وغيرهما من شيوخ المذهب. مع أن هذا من وظائف الإمام، أو نائبه الذي هو القاضي، التي لا يباشرها غيره مع وجوده، و مع ذلك لم يتوقف الأمر فيها على وجوده، فكيف بالجهاد الذي يصح أن يباشره غيره مع وجوده دون إذنه كما تقدم.
و ما تهذي به بعض الألسنة في هذه الأزمنة من أنه لا يجوز الجهاد لفقد الإمام و إذنه، فكلمة أوحاها شيطان الجن إلى شيطان الإنس، فقرها في أذنه ثم ألقاها على لسانه في زخارف هذيانه، إغواء للعباد و تثبيطًا عن الجهاد.
و حسبك فيمن يقول ذلك أنه من أعوان الشيطان وإخوانه المعدين في الغي و الطغيان، و الذي تشهد له الأدلة أن الجهاد الآن أعظم أجرًا من الجهاد مع الإمام، لأن القيام به الآن عسير، لا تكاد توجد له أعوان، و لا يتهيأ له تيسير، فالقائم به الآن يضاعف أجره، و ينشر في الملأ الأعلى ذكره، فيكون للواحد أجر سبعين، و يماثل فاعل الخير الدال عليه و المعين". انتهت الفتوى."
و إذا كان الجهاد لا يرجع فيه إلى الإمام إن كان غير عدل، لأنه سيجعله تبعًا لهواه، فيعرِّض الدين للهلاك. فكيف إذا كان الحاكم أخًا و وليًا للكافرين، محاربًا للدين؟ فهو يأتمر بأمر الكفار أنفسهم، و يقر معهم أنه لا جهاد إلا بإذنهم. فليت شعري، كيف يجعل أمر الجهاد إليه، و هل يقول بذلك عاقل؟ لا يغرك ما يلهج به هؤلاء المتهوكون في وسائل الإعلام، فإنما هو الجهل بعينه، أو أنهم يفترون على دين الله تعالى بجعل أحكام الشرع تبعًا لأهواء الحكام، طمعًا في الدنيا، أو خوفًا من سطوة الحكام، فلا يلتفت إلى قولهم، و لنا في قول أئمتنا الماضين أسوة حسنة. و لزيادة الإيضاح في هذه المسألة نقول و بالله التوفيق:
إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يستأذنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد عقد الراية واستنفار الأمة .. بل كان استئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - استشارة بعد عقد النية أو بعد تسجيل اسم الصحابي في الغزوة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: «هل لك من أم؟» فقال: نعم، فقال: «إلزمها فإن الجنة عند رجليها» [1] ، و في رواية: إني استكتبت في غزوة كذا - أي كتبت اسمي- هذا عندما كان الجهاد فرض كفاية.
فأما إذا أصبح الجهاد فرض عين بعد الإستنفار فإن استئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصبح علامة نفاق، فقد جاء في محكم التنزيل: {لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [2] . و أما الخلفاء الراشدون ـ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - ـ فلا نعلم أن الصحابة و التابعين كانوا يستأذنونهم، و ما كان كل واحد يريد الغزو أو الجهاد يأتي إلى أبي بكر ليستأذنه، فالمهم أن تعقد الراية و تخرج السرية، و أمراء المؤمنين ومن بعد الخلفاء لا نعلم أن الذي كان ينوي الرباط أو الجهاد يرسل إليهم يستأذنهم، ولا نعلم أن واحدًا من المسلمين في التاريخ الإسلامي كله قد عوقب من قبل أمير المؤمنين بسبب الجهاد أو الغزو بدون إذنه، و إنما يستأذن أمير الحرب و قائد المعركة في الغزو و الهجوم من أجل التنظيم والتنسيق وحتى لا يفسد المرء الذي يهجم على العدو خطة المسلمين.
(1) نيل الأوطار للشوكاني
(2) التوبة: 44 - 45