قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [1] . و وجه الدلالة من هذه الآية أن الله تعالى رتب الوعيد على مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - و اتباع غير سبيل المؤمنين. فلو لم تكن مخالفة سبيل المؤمنين سببًا من أسباب الوعيد لكان ذكره لغوًا .. تعالى الله و تقدس عن ذلك. وأول المؤمنين دخولًا في هذه الآية هم الصحابة الكرام، فالمأثور عنهم هو الحق الذي يجب اتباعه فلا يصح لأحد مخالفته.
و قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ... » [2] . قال النووي في المنهاج: (السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و من سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمة) [3] ، و بهذا الحديث ثبتت خيريتهم على من بعدهم، فلا يكون من بعدهم ظافرًا بخير ليس عندهم، و إلا لصار من بعدهم خيرًا منهم من هذا الوجه. و قد أثبت لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيرية المطلقة من كل وجه على من بعدهم، و هذا يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، فهم المتقلدون كلام النبوة المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله بالتلقي من نبيه - صلى الله عليه وسلم - مشافهة، على علم و بصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال بخلاف غيرهم.
و قال - صلى الله عليه وسلم: «أنا أمنة لأصحابي فإذا أنا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، و أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» [4] .. و في هذا الحديث جعل - صلى الله عليه وسلم - نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه و هذا يدل على وجوب الاهتداء بهم. و جعل - صلى الله عليه وسلم - بقاءهم بين الأمة أمنة لهم و حرزًا من الشر و أسبابه، و لذا فهم أحق الناس بالاتباع من غيرهم، و ذلك لصدقهم في إيمانهم، و إخلاصهم في عبادتهم، فهم حراس العقيدة، و حماة الشريعة العاملون بها قولًا وعملًا، و لهذا اختارهم الله تعالى لنشر دينه و تبليغ رسالة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
و قال - صلى الله عليه وسلم: « ... عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور ... » [5] ، و في هذا الحديث قرن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة خلفائه بسنته، و أمر باتباعها كما أمر باتباع سنته و بالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ، و هذا يتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم، لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون، و معلوم أنهم لم يسنوا ذلك و هم خلفاء في آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.
و قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «تفترق هذه الأمة على ثلاث و سبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قالوا ما هي تلك الفرقة؟ قال: ما أنا عليه اليوم و أصحابي» [6] و هذا الحديث يدل على أنه لا نجاة إلا في اتباع كتاب الله و سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على فهم الصحابة الذين هم سلف هذه الأمة. قال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه: (سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سننًا للأخذ بها تصديقًا لكتاب الله و استكمالًا لطاعة الله و قوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها و لا تغييرها، و لا النظر في ما خالفها. من اهتدى بها مهتد و من استنصر بها منصور و من خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين و ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا) [7]
و قال الشاطبي: (كل ما سنوه فهو سنة من غير نظر فيه بخلاف غيرهم لأهل الاجتهاد مجال للنظر ردًا و قبولًا) . وقال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تتعبدوا بها فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا، فاتقوا الله يا معشر القراء و خذوا بطريق من قبلكم) [8] . و قال الطمستاني: (الطريق واضح و الكتاب و السنة قائمان بين أظهرنا وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة و بصحبتهم) [9] .
(1) النساء: 115
(2) رواه البخاري و مسلم
(3) شرح مسلم: باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل
(4) رواه مسلم
(5) رواه أبو داود و البزار و صححه ابن عبد البر
(6) رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و الحاكم و هو صحيح
(7) الاعتصام
(8) الاعتصام
(9) الاعتصام