الصفحة 66 من 95

و الآثار في هذا المعنى كثيرة جميعها تدل على وجوب الاقتداء بهم و اتباع طريقهم على كل حال. و هو طريق النجاة حسبما نبه عليه حديث الفرق في قوله - صلى الله عليه وسلم: «ما أنا عليه اليوم و أصحابي» .

و من هنا فلا يسع أهل السنة والجماعة إلا أن يفتخروا بالانتساب إليهم، فكل من و افق الكتاب و السنة فهو من أتباع السلف و إن باعد بينه و بينهم المكان و الزمان، ومن خالفهم فليس منهم وإن عاش بين أظهرهم. قال السمعاني: (وشعار أهل السنة اتباعهم السلف الصالح و تركهم كل ما هو مبتدع محدث) [1] . فعلامتهم التي بها يعرفون، و ميزانهم الذي به يقيسون غيرهم، هو الاتباع لا الابتداع فمن كان كذلك فهو من أهل السنة والجماعة السلفيين .. و إلا فهو من أهل البدع الهالكين على قدر بدعته. ومن هنا صار لفظ السلفية علَمًا على طريقة السلف في تلقي الإسلام وفهمه وتطبيقه.

و قد أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن طائفة من المسلمين قائمة بالحق حتى يأتي أمر الله، قال - صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي امر الله ... » [2] و هذا الحديث المتواتر يدل على أن أهل الحق القائمين به موجودون منذ عهد الصحابة إلى أن يأتي أمر الله. وأما أمر الله فهو تلك الريح الطيبة التي ـ كما جاء في الحديث ـ: « ... تقبض روح كل مؤمن و كل مسلم، و يبقى شرارالناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة» [3] . وأما ما يميز هذه الطائفة فهو أنهم لا يزالون ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، و المراد بالحق هو ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - و أصحابه. إذن فهم أهل السنة المتمسكون بكتاب الله، و ما ثبت من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمسكًا كاملا بفهم السلف. و قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غربة الإسلام وغربة المتمسكين به فقال - صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام بدأ غريبًا و سيعود غريبًا كما بدأ، قيل و من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» [4] . و روى أحمد و الطبراني بسند صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «طوبى للغرباء! فقيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» . قال يونس بن عبيد: (إن الذي تعرض عليه السنة فيقبلها الغريب و أغر ب منه صاحبها) [5] . إن غربة الدين في أول الإسلام و آخره ظاهرة بالعيان و المشاهدة فإن الله قد بعث نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على حين فترة من الرسل في قوم اتخذوا النِحَل المبتدعة والمذاهب المنحرفة دينًا و منهاجًا، فقام فيهم - صلى الله عليه وسلم - بشيرًا و نذيرًا، لكن سرعان ما عارضوا دعوته - صلى الله عليه وسلم -، و نسبوا إليها كل نقيصة (نصبوا له حرب العداوة و رموه بسهام القطيعة و صار أهل السلم كلهم حربًا عليه، عاد الولي الحليم عليه كالعذاب عليه فأقربهم إليه نسبًا كان أبعد الناس عن موالاته كأبي جهل وغيره، وألصقهم به رحمًا كانوا أقسى قلوبًا عليه، فأي غربة توازي هذه الغربة؟ و مع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه بل حفظه وعصمه) [6] و هكذا أصحابه - رضي الله عنهم - عاشوا الغربة في سبيل دينهم، ثم استمر تزايد الإسلام حتى صار ظاهرًا و أهله غالبون فخلا من وصف الغربة بكثرة الأولياء الناصرين، و صار الناس على الاستقامة دهرًا من الزمان، حتى أصغوا إلى البدع المضلة، ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد الصادق - صلى الله عليه وسلم -، فتكالبت على و ساد السنة البدع و الأهواء، وصار أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل (لينجز الله ما وعد به نبيه - صلى الله عليه وسلم - من عود و صف الغربة إليه، فإن الغربة لاتكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، و ذلك حين يصير المعروف منكرًا و يصير المنكر معروفًا، و تصير السنة بدعة، و البدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب و التعنيف) [7] . و ما فتئ أهل البدع و الأهواء في الطعن على أهل السنة و لمزهم بالألقاب الكاذبة. قال أبو حاتم الرازي:

(علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر و علامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية، يريدون بذلك إبطال الآثار. وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة مجبرة، و علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، و علامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر نابتة و

(1) الانتصار لأهل الحديث

(2) رواه البخاري و مسلم

(3) رواه مسلم

(4) أخرجه أبو عمر و النسائي في السنن الواردة في الفتن، بإسناد صحيح

(5) الاعتصام

(6) الاعتصام

(7) الاعتصام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت