3 ـ الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا} [1] .
4 ـ التآمر معهم وتنفيذ مخططاتهم والدخول في تحالفاتهم وتنظيماتهم.
و الأدلة على هذا كثيرة و متنوعة:
الأدلة من الكتاب:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
قال ابن عطية الأندلسي في المحرر الوجيز: (نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود و النصارى أولياء في النصرة و الخلطة المؤدية إلى الامتزاج و المعاقدة، وحكم هذه الآية باق، و كل من أكثر من مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي يتضمنه قوله تعالى: {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ) .
وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير: (و قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (من) شرطية تقتضي أن كل من يتولاهم يصير واحدًا منهم، جعل ولايتهم موجبة كون المتولي منهم، وهذا بظاهره يقتضي أن ولايتهم دخول في ملتهم، لأن معنى البعضية هنا لا يستقيم إلا بالكون في دينهم).
وقال محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان: (ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمدًا اختيارًا رغبة فيهم أنه كافر مثلهم) .
الآية الثانية: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [2] الآية. قال ابن عطية في المحرر الوجيز: ( ... فالنهي إنما هو عبارة عن إظهار اللطف للكافر والميل إليهم، ولفظ الآية عام في جميع الأعصار .. )
الأدلة من السنة:
* الدليل الأول: ما رواه ابن إسحاق و غيره عن يزيد بن رومان عن عروة و عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا: بعثت لنا قريش في فداء أسراهم ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس ـ وكان خرج مكرهًا مع المشركين في بدر ـ يا رسول الله قد كنت مسلمًا، فقال - صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فالله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتدي نفسك و ابني أخيك» [3] وفي رواية «خاصمت فخُصمت» . وهذا دليل واضح على أن أحكام الولاء و البراء كباقي الأحكام الأخرى، فإن المؤاخذة فيها تكون على الظاهر بدليل قوله: «أما ظاهرك فقد كان علينا» .
* الدليل الثاني: ما رواه البخاري عن محمد بن عبد الرحمان أبي الأسود قال: قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي ثم قال أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} .
الإجماع: قال ابن حزم في المحلى: (صح أن قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) [4] .
(1) النساء: 51
(2) آل عمران: 28
(3) السنن الكبرى للبيهقي
(4) المحلى