لكن هذه العهود تنقض إذا أبدوا ما هو كامن في صدورهم، و نقضوا العهود و نبذوا الشروط و تعدوا الحدود، وأجروا من البلايا ما هو غير محصور ولا محدود، و أطلقوا ألسنتهم بالسب، و أظهروا عدم المبالاة بأحكام الرب. وأكثروا من التجسس و الزور، و الطغيان و الإذاية للصغير و الكبير، في السر و الإعلان، و استأصلوا أموال الرعية و تحزبوا على جمعها بالضالين أهل النفوس الدنية"قاله الشيخ أبو المواهب جعفر بن إدريس الكتاني في أحكام الذمة".
و في مختصر الشيخ خليل: (و ينتقض بقتال، و منع جزية، وتمرد على الأحكام، و غصب مسلمة حرة و غرورها، وتطلع على عورات المسلمين و سب نبي بما لم يكفروا به) .
و قال المواق: (قتل عمر نصرانيًا اغتصب مسلمة) .
و قال ابن نافع: (إن غرها فنقض، وتضرب عنقه) .
و قال سحنون: (إذا وجدنا بأرض الإسلام ذميًا كاتب أهل الشرك بعورات المسلمين، قتل ليكون نكالًا لغيره) . و في المعيار المعرب للونشريسي: (إذا برزت من بعضهم إذاية المسلمين مما يكون به نقضًا لذمته، إذ ذلك يكون نقضًا لذمتهم جميعًا و مالهم إن أخذ منهم لنقض عهودهم، و حكمه كالغنيمة، يجب تخميسه) .
الفصل الرابع
المعاملة الجائزة.
* قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [1] .
* قال ابن جزي: (رخص الله للمسلمين في مبرة من لم يقاتلهم من الكفار) .
* قال صاحب الكشاف بعد قوله لشدتهم في العداوة: (متقدّمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم) [2] .
* روح البيان: (الدلائل العقلية و الشواهد النقلية دلت على أن موالاة الكافر غير جائزة مقاتلًا كان أو غيره، بخلاف المبرة فإنها جائزة لغير المقاتل، غير جائزة للمقاتل، كالموالاة، بحيث أثبت المبرة على أمر ظاهر في باب الصلة نفى الموالاة ضمنًا، وإنما لم تجز المبرة للمقاتل لغاية عداوته، ونهاية بغضه، إن قيل إن الإحسان إلى من أساء من أخلاق الأبرار، قلنا المبرة تقتضي الألفة في الجملة، والإحسان يقطع اللسان و يثلم السيف و يكون حائلًا بين المجاهد والجهاد الحق، و قد أمر الله بإعلاء الدين) اهـ.
* وقال ابن عرفة و غيره: (المراد بالآية المسالمة و المتاركة لهم، و عدم التعدي عليهم و الظلم لهم، لا الموالاة والمودة، على أنها عند ابن عطية و غير واحد من المفسرين منسوخة، وفي الكشاف عن قتادة قال نسختها آية القتال) .
وقد ذكر صاحب الفروق جملة من الأمور التي تدخل في المعاملة الجائزة: حيث قال: (و أما ما أمر من برِّهم من غير مودة باطنية، كالرفق بضعيفهم و إطعام جائعهم، و إكساء عاريهم و لين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف و الذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا معهم لا خوفًا وتعظيمًا، و الدعاء لهم بالهداية و أن يجعلوا من أهل السعادة و نصيحتهم في جميع ما نفعله معهم من ذلك لا على وجه التعظيم لهم و تحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا و تكذيب نبينا، و أنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا
(1) الممتحنة: 8 ـ 9
(2) الكشاف