الصفحة 85 من 95

ـ وسموا (بالجماعة) [1] لاجتماعهم على كتاب الله و سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ونبذهم الفرقة و الخلاف في الدين، خلافًا لأهل البدع الذين اخترعوا أقوالًا و أعمالًا مبتدعة في الدين جعلوها أصلًا يجتمعون عليه ويتسمون به. فالسنة مقابل البدعة، والجماعة مقابل الفرقة.

أما كون غيرهم من الفرق الهالكة [2] « ... كلهن في النار» فهم كل من ابتدع في دين الله ـ ما لم تكن بدعته مكفرة ـ ولا يدخل فيهم بحال الكفار فإنهم ليسوا من أمة الإسلام .. و إن كانوا داخلين في أمته - صلى الله عليه وسلم - بمفهومها العام (أمة الدعوة) .

الفصل الثاني: الفرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ـ

إن كل فرد من الطائفة المنصورة هو من الفرقة الناجية، و لا يستلزم العكس، لاستحالة أن تتوفر صفات الطائفة الظاهرة المنصورة في كل فرد من أفراد الفرقة الناجية .. فلزم القول بالتفريق ولا بد. و الطائفة المنصورة بالنسبة للفرقة الناجية تعتبر الصفوة أو الطليعة التي تتصدر المهام العظام .. و تنوب عن الأمة في الذود عن الحقوق والحرمات، و من الأدلة على ذلك:

* قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [3]

جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: (والفرقة: الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم في المواطن، فالقبيلة فرقة، وأهل البلاد الواحدة فرقة) .

و الطائفة: الجماعة، و لا تتقيد بعدد. اهـ

* وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [4] .

قال ابن كثير في التفسير يقول تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} أي: منتصبة للقيام بأمر الله، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} قال الضحاك: هم خاصّة الصحابة و خاصة الرُّواة، يعني: المجاهدين و العلماء.

فهذا خطاب موجه لمجموع الأمة المتمثلة في"الفرقة الناجية"بأن تنفر منهم طائفة معينة ومتخصصة ـ وهو المراد هنا بالأمة ـ تتفرغ وتتخصص للنهوض بمهمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. وهذا يستحيل أن يكون أو يتحقق في كل واحد من الفرقة الناجية الشاملة لمجموع أمة التوحيد .. بما فيهم العجزة، وغيرهم من الفساق والعصاة!

و قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله و هم ظاهرون .. » [5] . «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله و هم كذلك» [6] . «لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» [7] . «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» [8] ... و غيرها من النصوص.

(1) الجماعة تعرف بالحق الذي هي عليه، وليس بكثرة أفرادها وأنصارها: فإن السنة دلت أن الحق بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، والقابض على دينه منهم يومئذ كالقابض على جمر من نار، والغرباء الذين أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم خيرًا هم:"ناس صالحون قليل في ناس سوءٍ كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم"[أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة.

(2) قال ابن تيمية رحمه الله( ... فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم ـ وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية ـ فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال الإيمان يزيد وينقص وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه واذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك.

ثم قلت لهم وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته واذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لايجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا كما يقال من صمت نجا.) [المناظرة في العقيدة الواسطية]

(3) التوبة: 122

(4) آل عمران: 104

(5) صحيح البخاري

(6) صحيح مسلم بن الحجاج القشيري

(7) صحيح مسلم بن الحجاج القشيري

(8) صحيح مسلم بن الحجاج القشيري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت