فإنما المقصود بالذنوب في هذه العبارة المعاصي التي لا يكفر فاعلها كالزنا و شرب الخمر فهذه إذا استحلها ـ فعلها أو لم يفعلها ـ كَفَر كأن يقول إن الزنا و الخمر ليسا بحرام و نحو ذلك، و مثله لا يجهل تحريمهما. أما المعاصي المكفِّرة كسَبّ الله تعالى أو سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو إهانة المصحف بقول أو فعل فهذه يكفر فاعلها بمجرد القول أو الفعل دون نظر في جحد أو استحلال. و لهذا قيد العلماء هذه العبارة بكلمة (أهل القبلة) فالمقصود بهم الذين لم يأتوا بمكفِّر يخرجهم عن أهل القبلة، فما دام لم يأت بمكفّر، فلا يكفر بالذنب غير المكفِّر إلا أن يستحله. و الذنب المكفِّر هو الذي نصَّ الشارع على كفر فاعله كسبّ الله و رسوله ودعاء غير الله، و الذنب غير المكفر هو ما ورد الوعيد على فعله ولكن لم ينص الشارع على كفر فاعله، كشرب الخمر و الزنا وأكل الربا و السرقة.
و قد بوَّب البخاري لهذه المسألة في كتاب (الإيمان) من صحيحه فقال: (باب المعاصي من أمر الجاهلية و لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك) [1] . و تأمل قوله (و لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك) و لم يقل (إلا بالاستحلال) لأن قوله (بالشرك) يعم الاستحلال و غيره.
و إنما ذكر أئمة أهل السنة هذه العبارة في اعتقاداتهم للرد على الخوارج الذين يكفِّرون بالكبائر غير المكفّرة كالزنا والسرقة. قال ابن تيمية رحمه الله: (و لهذا قال علماء السنة في وصفهم"اعتقاد أهل السنة و الجماعة"أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب) [2] .
* شبهة: ( ... أنهم يجعلون العمل شرطًا في الإيمان و ليس مكملًا له كما هو اعتقاد أهل السنة و الجماعة) .
لم يكتفوا بالافتراء على أهل الجهاد فنسبوا اعتقادًا من اعتقادات المرجئة ـ من أن العمل شرط كمال في الإيمان ـ إلى أهل السنة و الجماعة، بعدما عازهم الاستدلال للباطل الذي يروجون له.
فهذا اعتقاد أهل السنة و الجماعة كما نقله الثقاة، و نتحدى القوم أن يذكروا سندهم في نسبة ذلك إلى أهل السنة والجماعة، و فيما يلي فضح لما زعموه:
قال الإمام البخاري، كما نقله عنه اللالكائي في كتابه"شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة": (كتبت عن ألف نفر من العلماء و زيادة و لم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول و عمل) .
يقول إماما أهل الحديث أبو زرعة و أبو حاتم ـ رحمهما الله ـ:"أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازًا وعراقًا وشامًا و يمنًا، فكان مذهبهم: الإيمان قول و عمل يزيد و ينقص" [3] .
فإذا تقرر أن الإيمان قول فالمقصود بالعمل جنسه لا آحاده، أي أنه إذا انتفى جنس العمل ذهب الإيمان كله ـ لأن الشيء ينتفي بانتفاء ركنه ـ أما لو انتفت بعض أفراد العمل، فقد ينتفي حينها الإيمان و قد لا ينتفي، و في ذلك تفصيل ... [4] .
قال الحميدي [شيخ البخاري] : أُخبرت أن ناسًا يقولون: من أقر بالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و لم يفعل من ذلك شيئا حتى يموتَ، و يصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرًا بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت (أي الحميدي) : ذلك الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلماء المسلمين. قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [5] . وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به) [6] .
(1) فتح الباري
(2) مجموع الفتاوى
(3) اجتماع الجيوش الإسلامية
(4) انظر مبحث: الإيمان
(5) البينة: 5
(6) مجموع الفتاوى